الصادق النيهوم… بين محاكم التفتيش ودواوين المحنة…

(يا له من زمن
يكاد الحديث فيه عن الأشجار
يكون جريمة) بريشت

الكاتب الصادق النيهوم

وليت الأمر يقف عند هذا، لكنه لا يعرف حدوداً يقف عندها، ففي زمنتطغى فيه النزوعات الظلامية العدمية، التي يعلو مدها وتتلاطم أمواجها لتكتسح العالم وتغتال الإنسان، ويرتفع ضجيجها وعجيجها مبشراً بالفناء، وكاتما لكل حديث عن الأشجار وما تحمله وتعبر عنه من معاني الحياة والنماء والحب والحرية، وكل المبادئ والقيم السامية التي لا أساس سوي غيرها للإجتماع الإنساني، وللوجود بكليته.

في هذا الزمن يغدو الحديث عن الأشجار جريمة، وهدفاً لصحائف الإتهام التي لا تكتفي بالمساءلة على إعتبار أن (المتهم برئ حتى تثبت إدانته) بل هي لما تتوهمه من حيازتها القول الفصل وفصل الخطاب، لا تعتد بالمساءلة ولا وبالحوار، ولا تحسب لهما حساباً، لصدورها من حيث المبدأ عن نية مبيتة بالأدانة، وإذا كان من الحكمة الأخذ بوصية السيد المسح عليه السلام (دع الموتى يدفنون الموتى) فمن الغباء التظاهر بعدم رؤية الموتى يدفنون الأحياء، ومطالعة الظلام، لا يرعوي مكتفياً بلعن من يحاول إيقاد شمعة، بل يصر على تلويثه هو وشمعته بسخامه، وعلى خنقه بسمومه مع الأشجار.

ومثال ذلك ما طالعنا في مقال بعنوان بعنوان (الصادق النيهوم “صحيفة اتهام”) نشر على موقع (ليبيا المستقبل) خلال الفترة القريبة الماضية، والحق أنه ما كان لهذا المقال أن يستلفت النظر ولا أن يثير اهتماماً لو أنه لم يكن مفخخاً بنية الإدانة (التكفير تحديداً) مما يمهد لشرعنة النزوعات الظلامية العدمية، ذلك أولاً، ولا أنه جاء مكتظاً بالتزوير والمغالطة، بل والإفتراءات الفاقعة، ثانياً، إضافة إلى اعتماده جهلاً فاضحا بما يفترض للنص من أسس العقلانية والموضوعية، وافتقاره إلى للمعرفة التي تؤهله للقراءة النقدية (وهنا) لفكر النيهوم، وتعطيه القدرة على محاورته وكشف ما قد يكون فيه هناتٍ ونقاط ضعف وأخطاء، ولا يلجأ بسبب افتقاره ذاك إلى توهمها واختلاقها والصاقها بالنيهوم تعسفاً، ومحاولة ايهام القارئ بأن تلك الأوهام والإختلاقات حقائق يقينية لا يطالها الشك، إن محاولة إدانة النيهوم وتكفيره (وهي ليست الأولى ولن تكون الأخيرة) لامعنى لها في ذاتها ولا قيمة، لكن مكمن الخطورة فيها كونها تهديد صريح لكل  من يحاول وضع مجن في وجه رياح العدم التي تناوشنا وتتهدد وجودنا، ومن يحاول إيقاد شمعة تبدد دياجير الظلام التي تكتنف واقعنا البائس، وتحذيراً شديد (الزعيق) لكل من يحب الأشجار ويتحدث عنها. وفتح لبوابة محاكم التفتيش ودواوين المحنة المشرعة على الجحيم في وجوههم جميعاً.

وذلك بالضبط ما ينبئ به تصدير المقال المشار إليه بعنوان (صحيفة اتهام)، المنطوي إضافة إلى النية العدائية المبيتة والخالية من روح الإنصاف و(العدالة)، على رؤية دوغمائية إطلاقية، لا تستنكف عن تأجيج إختلاف الآخر (المغاير) عنها، إلى خلاف يقطع كل سبل التلاقي والحوار والتفاهم، بأحكام قطعية لا تتحمل النقد ولا تقبل المراجعة ثم، نقطة في آخر السطر وعاش التعصب، عاشت الأيديولوجيا، عاش الظلام والعدم.

ونحن لا نحتاج إلى عناء كبير، لنعرف أنه ما من تفسير لذلك غير صدوره عن حالة من حالات فوضى الإنفعالات العاطفية، المناقضة لكل عقلانية وموضوعية مزعومتان، والمعبرة عن قنوط عدمي متأتٍ عما ترتب لديها من يقين الهزيمة، والإحساس بالعري الفاضح جراء مواجهتها مع الآخر (المغاير والمختلف) الذي تعاديه وتحاول تشويهه، ومحاولة اغتياله بإدانته، وذلك للحق موقف هوامي مصاغ بمنطق الأسطورة تحديداً، وبجذاذات خيال مهترئ  منبتّ الصلة بالواقع وبالفكر معاً، وساذج حد إفتراضه سذاجة القراء وتوهمه أنهم سيقابلون ما يسوقه من ترهات بالترحاب، وكأن قول كاتب المقال: (هذه صحيفة اتهام لمصادر الصادق النيهوم المعرفية ومراجعه الفكرية فقط، وليست موجهة لشخصه أو لأصدقائه) يختلف عن الثلاثين الفضة التي اشترى بها ألأحبار  ذمة الأسخريوطي. أو يهدف إلى غير المغالطة التي تتبدى منذ البدء في إجتزائه لللفقرة من مقال النيهوم (مجازر معصومة “أخطاء وأخطاء في نصوص مقدسة”) التي تقول (لانزال ننظر إلى كتاب الله بعين أعرابي ميت منذ ألف سنة، ولانزال نتكلم بلسانه، ونردد في كتبنا وإذاعاتنا، ونعلم أطفالنا كل ما دار دار في رأس ذلك الأعرابي الجاهل من أساطير، إبتداء من حبس ياجوج وماجوج وراء سور من الحديد، إلى فلق البحر، وحوار الشيطان مع آدم، وخروج يونس من بطن الحوت، وتسخير عفاريت الجن لسليمان، وهي قصص رواها القرآن عن التوراة وسماها ” قصصاً “) من سياقها، وتوظيفها للتدليل على مروق النيهوم وتبرير وصم فكره بالهرطقة، حيث يواصل (كاتب المقال) معلقاً وموجهاً (قد لا يخطر ببال القارئ أن النيهوم يأخذ من القرآن نفس الموقف الذي اتخذته قريش عندما سمعت القرآن لأول مرة).

(وإذا كان القارئ لا يقدر على استيعاب هذا الربط “بين النيهوم وقريش التي قالت” قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إنْ هذا إلا أساطير الأولين“) (فإن فهم ونقد المصادر المعرفية للنيهوم لن يكون في متناوله) وعليه أن ينتظر أن يمن الله عليه بعبقري يكشف له حقيقة أن (مصادر النيهوم المنهجية إغريقية وتتقدم على الإسلام ألف سنة) ويسترسل منبهراً باكتشافه الأرشميديسي (لقد كان الإغريق يفسرون أساطيرهم تفسيراً رمزياً، وكان النيهوم يستن بسنتهم وينهج نهجهم عندما كتب “الرمز في القرآن” سنة 1967م)، ولسنا هنا في حاجة للعودة إلى دراسة (الرمز في القرآن) لنلقي شيئا من الضؤ على المغالطة فيما يساق هنا، وتكفينا عودة إلى مقال النيهوم (مجازر معصومة) لنقرأه ونتوقف عند الفقرة المجتزأة والموَظَّفَةِ لإدانته، لنرى ونقتنع بأنها لن تعطي المعنى الذي أراده بها كاتبها إلا في إطارها العام الذي جاءت فيه وفي سياق ذلك الإطار، ولكن لضرورة الإقتضاب هنا سنكتفي بقراءتها مباشرة بعد الجملة التي تنتهي بها الفقرة التي تسبقها، وهي جملة تقول (الواقع أن التخلف المريع الذي تعايشه ثقافتنا العربية حالياً، قد لا يعكسه شئ أكثر وضوحاً من منهجنا الأسطوري في تفسير نصوص القرآن) ومؤكد أننا حين نقرأ الفقرة المجتزأة بعد هذه الجملة مباشرة، سوف نرى عياناً المغالطة القانية والفرية الفاقعة متجاورتين، ولابد من أن يراودنا الشك (على الأقل إذا ما تجنبنا القطع) في من يكتب (مجازر معصومة) يمكن أن ينحدر إلى هذه الدرجة من التناقض والإسفاف، ويوجه النقد للمنهج الذي يتبعه ويهتدي به، ونفكر (وإن في حدود الظن فقط) بتهافت الزعم باصطفاف النيهوم في مواجهة القرآن والإسلام مع قريش التي ساوت القرآن بالأساطير، بل أن ما يقوله النيهوم هنا وفي كل تراثه الفكري والأدبي منصب على نقد المنهج الأسطوري تحديداً، ويعرفه ويعرف منبته وجذوره وفروعه، بقدر ما يجهل ذلك كله من يتهمه باتباعه، وعرف أيضاً أن المنهج الأسطوري هو الذي حول الثقافة العربي إلى صيغة إضافية من ثقافة برج بابل  التي أقامها كهنة وأحبار اليهود على انقاض رسالة موسى السماوية (الإسلامية)، وجعلوا منها ترسانة تعج بالمغالطات والفِرَى لتبرير  العجز عن قبول الآخر والتعصب والعنصرية وكل الدناءات المتأتية عن الإنسياق مع النزوعات الإستحواذية التسلطية، وإلإنحيازات الأنانية المتدنية فردية قميئة متأزمة كانت (“أنا” اللاوي، والفرعون، والقيصر، وظل الله في الأرض، والقائد الملهم، والزعيم المخلص)، أو متورمة إلى نحن أشد قماءة وتأزما (“نحن” الشعب المختار، نحن قبيلة كذا، أو قرية لا اعرف ماذا، أو أتباع المذهب الفلاني، أو معتنقوا الأيديولوجيا الخلاصية)، إضافة لكل الشوفينيات المتهافتة المعادية للإنسان والمناقضة لكل ماهو إنساني.

ولعل ما يسوقه كاتب المقال حول إصطفاف النيهوم إلى جانب قريش، لم يكفه مما اضطره إلى (النط) من جزيرة العرب في القرن السابع الميلادي، إلى الاسكندرية في القرن الأول، ليأتينا بما لم يأتِ به الأوائل، ويتحفنا بأسطورة حول الفيلسوف اليهودي (فيلون السكندري) الذي يستدعيه، ليرفد به زعمه بإغريقية مصادر النيهوم المنهجية، وليضيف إلى ذلك الزعم ما يحاول من خلاله  الإيحاء (بتهود تلك المصادر) وليشهده على أن (اليهود أول من أصيب (قبل النيهوم وقبل قريش طبعاً) أول من أصيب بلعنة الأساطير الإغريقية، وطرائق تفسيرها الرمزية ” فطفقوا ” يفسرون التوراة تفسيراً رمزياً “في ما يسمى التلمود”)، وينط بعد ذلك إلى اليونان في القرن السادس قبل الميلاد ويجرجر الشاعر اليوناني (هزيود) ليحوله إلى فيلسوف، ويجعل من مؤلفه (أصل الآلهة) مرجعاً لتفسير فيلون الرمزي للتوراة، لينتهي إلى تصور مبتسر لا يصدر إلا عن جاهل بتاريخ اليهود وتاريخ اليونان وبتاريخ الثقافة اليونانية، ذلك أن التلمود الذي أراد له أن گُتِبَ بمنهج اليونان الأسطوري المزعوم، لم يكتب بصيغة واحدة، بل بصيغتين بينهما تباينات كبيرة، فقد كُتب (التلمود البابلي) في فترة السبي البابلي، وكُتب (التلمود الأورشاليمي) في فلسطين، كما أن الأيديولوجيا الظلامية العدمية التي انطوت عليها دفتا توراة عزرا المنحولة، والتلمود بصيغتيه، لم تكن في حاجة إلى أن يستعير فيلون (أصل الآلهة) من هزيود ليفسرها به، بل كانت في حاجة فعلية إلى ما إنشغل به ذلك الفيلسوف اللاهوتي الذي كان يُلقب (بأفلاطون اليهودي) وتمحور حوله فكره، وما ذلك سوى فكرة (اللوغوس) التي أخذها عن أفلاطون والرواقيين، وحاول ربطها بفكرة (الكلمة) التي وجدها في سفر الأمثال بصيغة (الحكمة، وذلك لتحقيق هدف وحيد هو (تبرير) تلك الأيديولوجيا التي بحكم قيامها على المغالطة وتعادي الوضوح ولا تحتاج (من زواية أصحابها) إلى التفسير والشرح، بل للتبرير فقط، وليختط بذلك درباً سار فيه من بعده فلاسفة العصور الوسطى من مسيحيين ومسلمين.

ويواصل كاتب المقال إنسياقه مع ما استكن في صدره من نية إدانة النيهوم، فيزعم أن الثقافة اليونانية قد لوثت ملة / دين إبراهيم عليه السلام في الحقب الثلاث  اليهودية والنصرانية والإسلام، ويقرر (وحده طبعاً) أن التاريخ يعيد نفسه (ومثلما ارتد اليهود عن دين موسى، واتد المسيحيون عن دين عيسى، لا غرابة (في أن) يرتد بعض المسلمين عن دين محمد، وقد حصل هذا لبعض القرشيين ” ولا تخفى محاولة الإيحاء بأنهم البعض الذي حشره مع النيهوم في سلة واحدة ” الذين تنقلوا بين الكفر و(الإيمان) في بوح فاضح لعجزه عن التفريق بين (الإيمان والإسلام) وجهله بدليله القرآني {۞ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)} (الحجرات، الآية 14) وهو ما لا يسهل قبوله ممن يبالغ في الحرص على الإسلام وكتابه المقدس، خصوصاً وهو يتحفنا بخطبة منبرية عصماء يقول فيها بنبرة وصائية (القرآن ليس كلمات فارغة يسهل تدليسها لتصبح أساطير فهو {كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} الإسلام ليس جينات تورث ويتناقلها الأبناء عن الآباء والأمهات) ليختمها من بعد بقرار وصائي (من يسوي بين الوحي/ القرآن والأسطورة “وهي التهمة التي يجهد نفسه في محاولة إلصاقها بالنيهوم” لا يحسب على المسلمين رغم أنفهم، لينط بعد ذلك إلى سوريا في منتصف القرن الماضي وحزب البعث الذي كان مشروعه الاستراتيجي هو (إلغاء الإسلام) ليقول لنا بأنه المصدر الأيديولوجي لمصطلح (التراث) الذي يستخدمه النيهوم لتصنيف القرآن والإسلام ضمن الأساطير “وما معنى ولا أهمية لما يسرده في هذا السياق مما يتوهم أنه أدلة مفحمة ومقحمة” فهو فعلا ومثلما يقول النيهوم رحمه الله (مجرد كلام من عالم الكلام)، لكن لا يمكننا تجاهل ما يسوقه من حديث النيهوم عن (نظرية الحق الإلهي في الحكم) التي تأخذ “كما ينسب إلى النيهوم” شكل القفص المغلق الذي بناه التراث حول الإنسان) ويعلق (لقد أصبح الإسلام قفصاً مغلقاً حول الإنسان العربي، هذا هو جوهر فكرة النيهوم، لكنها لن تصل إلى الغافل من القراء “لا نبرة التعالي الوصائية”) ومعنى ذلك أن علينا نحن السادرون في الغفلة، أن ننتظر أن يمن الله علينا بعبقري يرينا ما نعجز عن رؤيته، والحمدلله فقد جاء (جودو) ليكشف لنا السر الذي يخفيه النيهوم وراء استخدامه مصطلح التراث بدلاً عن الإسلام، ويواصل تعرية الرجل فيخبرنا بأن النيهوم (كان يخاطب فريقين من الناس/ الفريق الأول/ وهو من كانوا على شاكلته ويفهمون عباراته (نصف المشفرة) من خلال عبارة (الحق الإلهي) التي يسوي عن طريقها بين المسيحية والإسلام/ والفريق الثاني/ مكون من المسلمين النيام الذين لن ينتبهوا إلى أن (نظرية الحق الإلهي في الحكم) فكرة مسيحية وليست إسلامية على الإطلاق).

وعند هذه النقطة تحديداً علينا أن نتوقف لنبدي إمتناننا لكاتب المقال ونغبطه على مواهبه الإستثنائية التي أوصلتنا إلى مربط الفرس ” كما يقال ” وبيت القصيد، وباحت لنا بحقيقة إندفاعه الجامح الذي دبج في سورة إحتدامه ” صحيفة الإتهام هذه ” ليدين النيهوم من خلال ما شحنها به من مغالطات، وبيت القصيد الذي أعنيه هنا هي (نظرية الحق الإلهي) المزعوم، التي يرفضها النيهوم ويقارعها بالشرع الجماعي والإدارة الجماعية اللذين يتجسد فيهما جوهر رسالة الإسلام الإنسانية والقادرين على كشف الجاهلين بالإسلام، تهافت مزاعم القائلين بمفارقته لواقع حياة الناس، وذلك لمعرفته بأنها (نظرية الحق الإلهي) أبرز وأخطر المبررات التي تعتمد عليها الإنحيازات الأيديولوجية الدنيئة في تمرير مغالطاتها، وإخفاء نزوعاتها الاستحواذية التسلطية، ونظرية الحق الإلهي التي يبدو أن حدود معرفة كاتب المقال بها لاتجاوز المصدر المسيحي، إنما تتجذر في التراث الشرقي القديم (ملحمة جلجامش كمثال) ولم تصل إلى المسيحية إلا عن طريق أيديولوجيا عزرا وأحبار اليهود الذين سطوا على ذلك التراث الثقافي الغني.

وهكذا فليس الإسلام ولا القرآن ولا الحرص عليهما والمنافحة عنهما ما دفع إلى إدانة النيهوم وكيل الإتهامات الباطلة والمغرضة له، ولكنها الأيديولوجيا التي تدعي الحرص على الاسلام  والذود عن حياضه، ولا تستنكف عن النطق بأي قول ولا عن الإقدام على أي فعل قد يمكنها من الاستحواذ عليه وتوظيفه لأغراضها ونزوعاتها الاستحواذية التسلطية، بما في ذلك التعالم بدون علم والإفتراء دون دليل مقنع، ولا (كانت أفكار النيهوم جزأاً من موجة الإلحاد التي ضربت المنطقة العربية والعالم في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وهاجمت الدين بضراوة، دون تفرقة بين الإسلام “دين الله الحق”  وبقية الأديان “بدقة الأيديولوجيات المتدثرة بإهاب الدين” التي يختلط فيها الحق بالباطل) مثلما تزعم صحيفة الاتهام المدبجة لإدانة النيهوم، بل كانت أفكار الرجل مِجَنَّاً من داخل الإسلام، يصد عن الإسلام وعن المسلم التيارات الظلامية والعدمية التي ما انفكت “ومنذ الفتنة الكبرى” تتهددهما من وراء أقنعة وبمسميات وتحت شعارات عنصرية شعوبية ودينية وحداثية ليبرالية وعلمانية، فمفكر ينذر حياته ويضع ثقافته الموسوعية ومعارفه الواسعة في إطار دعوة معلنة وشجاعة (ودون مواربة ولا مخاتلة) إلى إحياء الشرع الجماعي وإقامة الإدارة الجماعية، وذلك هدف قصرت دونه دول ومؤسسات رسمية عديدة، لا بد من أن يكون بشخصه وبفكره ًعقبة كأداء أمام كل من لا هدف له إلا الاستحواذ على الاسلام وتوظيفة لأغراضه ومصالحه، ومن يدعي مالم يأتِ به الله من سلطان، من وصاية على عقول الناس وضمائرهم، وهو فكر عصي على الدعاوى الموتورة والعدائية التي يسمها الإرتباك والتخبط ويعتورها القصور المعرفي والتكسح المنهجي، وتحركها النزوعات الإستحواذية التسلطية.

إلى ذلك ما من عاقل منصف يمكنه أن يرى أو يزعم أو يصدق إمكانية التوصل إلى حقيقة تجسد رسالة الإسلام في الشرع الجماعي والإدارة الجماعية بإعتماد منهج أسطوري رمزي، فذلك غير متاح إلا وفق منهج الإسلام وحده، والقراءة بسم الله، وهو المنهج الذي لا يتيسر لغير نظر برئ براءة الفطرة من الإنحيازات المتدنية، نقي من الملوثات المذهبية والأيديولوجية، إنه المنهج الذي أُمر النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون من بعده بإتباعه والسير على سراطه منذ مفتتح الوحي القرآني، وتحديداً في الآيات الخمس الأولى من سورة العلق: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ… {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)…}، ذلك هو تحديداً منهج النيهوم الذي تتهافت بإزاءه كل المناهج الأخرى “بما فيها المنهج الأسطوري الرمزي” ووحده المؤهل لمقارعتها واثبات زيفها وتأسسها على القراءة باسم الأنا البائسة وتجذرها في المبدأ الظلامي العدمي الإبليسي (أنا خير منه…) قراءة العجز عن قبول الآخر المختلف، لأن وجود ذلك الآخر يضعه في حضرة بؤسه ويذكره بخواءه  وفقره وفاقته الوجوديين.

___________

نشر بموقع ليبيا المستقبل

عن علي المقرحي

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى