الشلق يتابع التطور التاريخي لظاهرتي الإمبريالية والاستشراق

ميديل إيست أونلاين :: من حازم خالد

لا يعالج كتاب “إمبرياليون ومستشرقون .. رؤى غربية للعالم الإسلامي” للدكتور أحمد زكريا الشلق، التطور التاريخي لظاهرتي الإمبريالية والاستشراق، فهناك دراسات كثيرة في هذا المجال، لكن يحسب له أنه يضيف قراءات جديدة للموضوع، بقصد مزيد من الفهم لصور الإسلام والمسلمين، وكيف تطورت في أعين الساسة “الإمبرياليين” والمثقفين “المستشرقين” الغربيين، من خلال تقديم نماذج جديدة، بعضها يرجع إلى أوائل القرن التاسع عشر، زمن الإمبراطوريات الإمبريالية، وبعضها إلى نهاية القرن العشرين، زمن فرض النفوذ والهيمنة الغربية والأميركية بأساليب وطرق جديدة.

كتاب إمبرياليون ومستشرقون
كتاب إمبرياليون ومستشرقون (الصورة: ميديل إيست أونلاين).

كما يحاول الكتاب أن يثير مسألة العلاقة بين النزعة الإمبريالية والنشاط الاستشراقي، فمنذ أكثر من ربع قرن (1994)، نشر المؤرخ والمفكر ألبرت حوراني مجموعة من الدراسات تحت عنوان “الإسلام في الفكر الأوروبي” بدأها بالحديث عن أن الإسلام الذي شكل منذ ظهوره مشكلة لأوروبا المسيحية، التي نظرت إلى المؤمنين به كأنهم أعداء يقفون على حدودها. ففي القرنين السابع والثامن، كانت جيوش المسلمين تحارب وتغزو باسم أول إمبراطورية إسلامية، وهي الخلافة، حتى توسعت في قلب العالم المسيحي، فاحتلت مقاطعات من الإمبراطورية البيزنطية في سوريا والأراضي المقدسة ومصر، واتجهت غرباً حتى شمال إفريقيا وإسبانيا وصقلية.

ولم تكن الفتوحات الإسلامية عسكرية خالصة، بل تبعها على مر السنين، اعتناق الدين الإسلامي على نطاق واسع، وبالرغم من نجاح القوى المسيحية في القيام بهجوم معاكس، نجح في احتلال الأراضي المقدسة، وأسس مملكة بيت المقدس اللاتينية فترة من الزمن، وبشكل دائم في إسبانيا، إلا أن توسعاً إسلامياً آخر قد امتد إلى ممالك الشعوب التركية، حين تقدم السلاجقة في بلاد الأناضول، وقضى العثمانيون بعد ذلك على ما تبقى من الإمبراطورية البيزنطية، واحتلوا القسطنطينية، وتوسعوا حتى شرق أوروبا ووسطها، واستطاعوا في نهاية القرن السابع عشر من احتلال كريت وتهديد فيينا.

حرب مقدسة

ولم تقتصر العلاقة بين المسلمين والمسيحيين الأوروبيين على مجرد علاقة حرب مقدسة، وإنما كانت علاقات شملت مختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية… وتزايد اهتمام الأوروبيين بعالم الإسلام في العصور الحديثة، لقد تغيرت طبيعة هذا الاهتمام في بعض النواحي، خاصة بعد أن انتهى التحدي العسكري المرتبط بالإمبراطورية العثمانية، مع تبدل التوازن العسكري لصالح أوروبا، مما أدى إلى توسيع تجارتها في البحر المتوسط والمحيط الهندي، ثم كانت بدايات الاستيطان والاستعمار الأوروبي، الذي فرض نفوذه واحتلاله لمعظم بلاد العالم الإسلامي في القرن التاسع عشر وحتى النصف الأول من القرن العشرين. 
وخلال هذه القرون ظل اهتمام الأوروبي بعالم الإسلام قوياَّ، وظل هذا العالم جاذباً لكثير من الرحَّالة والمغامرين والمبشرين والتجار، فضلاً عن القناصل والسياسة والجواسيس بطبيعة الحال. وقدموا لشعوبهم وحكامهم مؤلفات وتقارير وكتابات، ضمت تصوراتهم عن الإسلام وعالمه، أياً كانت درجة وعيهم بذلك، ولا تزال هذه الكتابات تترى، في تاريخنا المعاصر، بأشكال وأساليب أكثر عصرية وتطوراً بطبيعة الحال.
ومن وجهة نظر المؤلف د. أحمد زكريا شلق أن مصطلح “الاستشراق” يستدعي على الفور كتاب إدوارد سعيد الشهير عن الاستشراق عام ۱۹۷۸ الذي يلخص معناه العنوان الفرعي للكتاب وهو “المفاهيم الغربية للشرق” ويمكن لنا كقراء أن نضع تفسيرات وتوضيحات تنصب كلها حول موضوع الاهتمام الغربي بدراسة الشرق وفهمه والتعامل معه.. إلخ، ذلك الاهتمام الذي تزايد على نحو كبير منذ نهاية القرن الثامن عشر مع بدايات الاختراق الإنجليزي الفرنسي للشرق العربي، والذي تُعزى إليه أهمية كبيرة في تطور “الاستشراق”، حين أصبح لأوروبا المسيحية أسباب تجبرها على الاهتمام بلغات وثقافة الشرق الأوسط إلى جانب الجاذبية الواضحة الحضارة أقدم وأكثر ثراء، وربما الخطر الأكثر وضوحاُ لعدو قوي غاز، ومن هنا كان هناك نداء الدين، بالنسبة لمسيحي يوجد “قلب” دينه في الأماكن المقدسة “The Holy Land”    تحت حكم المسلمين منذ القرن السابع الميلادي، كما أن كتابه المقدس وعقيدته معظمها مكتوب بلغات الشرق الأوسط.
وكلمة الشرق The Orient   التي تعني حرفيًّا “شروق الشمس” تعني كذلك ما يقع مباشرة إلى الشرق من أوروبا. ولفترة طويلة كانت كلمات “شرق” Orient  و”شرقي”   Oriental تعني العالم الإسلامي. وذلك في الاستخدام الأوروبي الغربي.
أما كلمة المشرق Levant وهي معنى آخر لشروق الشمس، فكانت أقل استخداماً وأكثر تقييداً. وحتى أواخر القرن التاسع عشر عندما كان الدبلوماسيون يتكلمون عن “المسألة الشرقية” La question d’ orient كانوا يعرفون أنهم يتحدثون عن الإمبراطورية العثمانية وليس عن الهند واليابان والصين.”

ومصطلح “مستشرق” عند بدء استخدامه، لم يكن غامضاً، مثلما حدث له بعد ذلك، عندما وجد المستشرقون أنه لم يعد كافياً، وأنه صار غامضاً فيما يتعلق بكل من المنطقة والفترة. ولم يعد “الشرق” هو الشرق الأوسط في الفترة الإسلامية، وصار منطقة أوسع في فترة أطول، بل صارت كلمتا شرق وشرقي في الاستخدام الأميركي، لا الأوروبي، تنسحبان على الشرق الأقصى فحسب.
ويؤكد المؤلف أنه لم تعد دراسات اللاهوت والفلسفة هي مجال الاستشراق الوحيد كما كان في الماضي، وإنما اتسعت المجالات والمساحات وفترات الدراسة، مما جعل المصطلح غير كاف وملتبس، ولعل هذا ما دعا مؤتمر المستشرقين الذي عقد في باريس عام ۱۹۷۳ (بمناسبة الذكرى المئوية لأول مؤتمر لهم عام ۱۸۷۳) إلى إلغاء مصطلح “مستشرق” Orientalist واستبدال مصطلح “العلوم الإنسانية، مع إشارة خاصة إلى آسيا وشمال أفريقيا بمصطلحي “الاستشراق” و”الدراسات الشرقية”.

أدوار إيجابية

ولا نستطيع أن نتجاوز الحديث عن المصطلح دون الإشارة إلى أن إدوارد سعيد منذ أن وضع كتابه عن الاستشراق عام ۱۹۷۸ والحياة الفكرية تهتم بالمصطلح وموضوعه الذي أثار جدلاً ونقاشات علمية مستفيضة عن الموضوع. حتى لقد أشير إلى أن هذا الكتاب غير وجه البحث العلمي حول العرب والعالم الإسلامي والعالم الثالث إجمالاً، وفيه رصد سعيد العلاقة الحديثة بين عالم الإسلام والعرب والشرق من جهة، والغرب الأوروبي والأميركي من جهة أخرى، منذ حملة بونابرت، مروراً بالحقبة الاستعمارية، ونهوض علم الاستشراق الحديث في أوروبا خلال القرن التاسع عشر، حتى نهاية السيطرة الاستعمارية البريطانية والفرنسية على الشرق بعد الحرب العالمية الثانية، وبروز السيطرة الأميركية في نفس الزمان والمكان.
ومن المهم التأكيد على أن كتاب “الاستشراق” يقوم على موضوع أساسه ترادف المعرفة والقوة أو السلطة. وأن سعيد أضاف إلى موضوعه أبعاداً أخرى تناولها في كتابه “تغطية الإسلام” عام ۱۹۸۱ أوضح فيه أن تغطية وسائل الإعلام الغربية للإسلام وعالمه جاءت زاخرة بالمغالطات، وما يجري مجراها من أعمال الأكاديميين والمفكرين المختصين في الإسلام، بتقديم مادة أبعد ما تكون عن الموضوعية.
وفي عام 1993 أصدر إدوارد سعيد كتابا آخر يتصل بالموضوع ذاته وهو “الثقافة والإمبريالية” استكمل فيه مناقشة الحجة المركزية التي قدمها في الاستشراق حول العلاقة بين القوة والمعرفة. وذكر فيه “أنه إذا كان النشاط الاستشراقي جزءاً من مؤسسة أكاديمية التمثيل الآخر، واختزاله بقصد الهيمنة عليه “فإن الإمبراطورية الإمبريالية في القرنين التاسع والعشرين، جعلت الثقافات تتورط بذاتها وتورط سواها … وبالتالي رأى ضرورة دراسة العلاقة بين الثقافة والإمبريالية، وأوضح كيف كان الاستشراق جزءا من أدوات التوسع الاستعماري وكان أيضا نتيجة له. وثمة كتاب رابع لإدوارد سعيد ضم تعقيباته وحواراته بشأن الاستشراق، نشر تحت عنوان “تعقيبات على الاستشراق” عام ۱۹۹6.
ومع ذلك، فإن إدوارد سعيد لا يضع علماء الدراسات الشرقية والمتخصصين فيها من الغربيين، بشكل مطلق، في موضع العداء مع موضوعه، ولا العكس. ومن ثم فلا يمكن إنكار أدوار إيجابية قام بها الاستشراق الغربي، رغم اقترانه في مرحلته الأيديولوجية بالسلطة ومشروعاتها التوسعية، وسعيها لتقديم تصور مزيف للعالم عن الشرق، إذ يرجع الفضل إلى المستشرقين في فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وروسيا وألمانيا وهولندا في إعادة اكتشاف الكثير من التراث الشرقي، وإعادة تسليط ضوء المنهج العلمي الحديث عليه، وتأسيس الإنجازات الأولى في دراسة مكوناته وعصوره وتفاعلاته، كما يرجع الفضل إليهم كذلك في صيانة وإنقاذ ألوف من المكتبات والكتب، ولفت أنظار الشرقيين أنفسهم إلى الأهمية البالغة لتراثهم الفني والأدبي والديني والعلمي والفكري.
وقد تناولت فصول الكتاب عددا من القضايا الحيوية التي تتعلق بالاستشراق ومنها: إسلام الفرنسيين في مصر – نظرة على مصر في زمن بونابرت – قناع الحداثة ومخالب الإمبريالية في جمهورية مصر الفرنسية – بونابرت في الشرق الإسلامي أو “بونابرت ومحمد” – اللورد كرومر و”مصر الحديثة” – ولفرد سكاون بلنت، وإعادة الخلافة الإسلامية إلى مكة تحت الحماية البريطانية – الإسلام والتجديد في مصر لتشارلز آدمس – الإسلام والغرب “بين التعاون والمواجهة” – الإسلام والغرب “هل المواجهة خرافة؟” – المؤرخون والدولة والسياسة في مصر. 

عن المشرف العام

مشرف عام الموقع: رامز رمضان النويصري// المحرر العام: كريمة الفاسي

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى