الرواية الليبية: خطوة لقدام وعشرة اتاّلي

الفصل الأول:

يتساءل الشاعر والناقد الليبي “رامز النويصري” في دراسة تحت عنوان “الحكاية ومجتمع الحكاية، قراءة في رواية”، عن ماهية الرواية الليبية، وفي افتتاحية قراءته تلك، يبدأ قوله بأنّ في حال امسك الكاتب الليبي بين يديه لرواية “ليبية”، فإنّ هناك العديد من الأسئلة التي تحشر في رأسه، ويعلّل سبب ذلك أنّنا “ما زلنا نبحث عن هذهِ الرواية الليبية”، ويكمل قولهُ “الرواية التي تستفيدُ من ثقافة المجتمع وتراثه، لا التي تتكئ عليه فقط، بمعنى أنّنا نبحث عن رواية تكونُ موجّهة للابداع فقط، رواية تكونُ اكتملت تجربتها لتقدّم نفسها في لغة ابداعية”.

في عصر الثورة، باتت التساؤلات حول الرواية الليبية القادمة تثيرني.

في الواقع، وبرؤيتنا إلى واقع الرواية الليبية المعاصرة، ليس بامكاننا أن نعطي شكلاً واضحًا لهذه الرواية المستقبلية القادمة بعد حرب التحرير (وان كان عصر الرواية الليبية قادم لا محالة). هناكَ العديد من المدارس الأدبية والروائية التي انتشرت في ليبيا في الأعوام العشرة الماضية، دون أن تتخذ هذه الرواية صورةً واضحة المعالم. ففي ظلّ دولة الاستبداد والنظام الشمولي، لم يستطع الروائي الليبي أن يتكيّف مع كتابة رواية تسابق النمط الروائي الذي باتَ يتجدّد في العالم العربي ويأخذ أبعادًا أخرى متطورة وصلت إلى القدرة على تجاوز الحداثة والدخول إلى ما بعدها، بينما ظلّت الرواية الليبية في ظلّ ذلك، رواية مهمّشة ومنعزلة. أضف إلى ذلك، أنّ الروائي الليبي لم يكوّن ما يشبه الحلقات الروائية مع أقرانه من الروائيين الليبيين، ممّا جعل الحركة الروائية في ليبيا تختلف من كاتب إلى أخر، وكذلك بسبب عدم انتشار الكتب باللغات الأجنبية، والكتب العربية أيضًا (بالاضافة إلى غلاء أسعار الكتب مقارنةً بدخل الروائي / المواطن)، فقد لجأ معظم الروائيون إلى الكتب المنتشرة على الانترنت، وان لم تكن هذه الكتب على قدر كبير من الابداع، وبذلك، انحصر الروائي الليبي على روايات الخمسينيات والستّينيات، وكذلك بسبب عدم القدرة على الولوج في عوالم روائية انتقادية للمجتمع الليبي (المتطرف في جهويته وعاداته واخفاء عيوبه من جهة وتسلّط السلطة ومؤسساتها ووزرائها من جهة أخرى)، ظلّت الرواية الليبية تعاني من وجود سقفٍ منخفض جدًا من هامش الحرية فيها، وكانَت تلك من أهمّ العوامل التي ساهمت في تراجعها مقارنةً مع التطوّر الملحوظ للرواية العربية من جهة، والعالمية من جهة أخرى.

في ظلّ ذلك، بدأتُ أتساءلُ مرارًا وتكرارًا حول شكل الرواية القادم بعد الاطاحة بنظام القذافي الشمولي، في عصر جديد، أراهُ (بنظرة شخصية) مكمّلاً لمرحلة الستّينيات، قبيلَ انقلاب العساكر الوحداويون على السلطة. فالرواية الليبية في ظلّ هذهِ المرحلة لا تزالُ تعاني من ركود، بالاضافة إلى عدم وجود كتلة أسماء شابة جديدة تستعد لخوض غمار الكتابة الروائية. هناك فقط بضع أسماء، لكتّاب شباب يعتكفون على كتابة أدب الخيال والفنتازيا، كسلاسل الروايات للشباب في مصر. هذا بالاضافة لأسماء قليلة ظهرت في الالفية الأولى مختلفة في طريقة تعاطيها وهذا الجنس من الأدب، لكن يظلّ هنا السؤال حول الرواية الأدبية ومفهومها وما مدى قدرتها على الظهور الآن في زمن الثورة!

هذهِ التساؤلات قادتني للعودة إلى الوراء، وبالتحديد، إلى فترة الخمسينيات، وذلك لمحاولة صناعة مقاربة أدبية بين الاجيال الأدبية (الروائية وشبهها) في العقود الماضية، محاولاً بذلك الوصول إلى استنتاج أو رؤية حول الشكل العام الذي ستتخذه الرواية الليبية في السنوات المقبلة، ونوع المدارس التي ستنتمي لها والأساليب التي قد تعتمد عليها. فالأدب الليبي بشكل عام كان يسابق الأدب العربي في نموه واتخاذه شكلاً ثوريًا في انتقاد المجتمع وعيوبه وصناعة ما يشبه الأدب الشعبي في محاكاة الواقع. هنا أتحدّث مثلاً عن أدب “كامل المقهور” و”خليفة التكبالي” و”عبدالله القويري” و”علي مصطفى المصراتي” وغيرهم. فالأدب الليبي وقتها، خاصةً في القصة القصيرة التي كانت ولا تزال هي أيقونة السرد الليبي، كانَ يمتاز بأسلوبه البسيط والكلاسيكي والساخر في سرد حكايا المجتمع وتسليط الضوء على أهم عيوبه ومحاولة علاجها، بالاضافة إلى أنّ هذا الأدب كانَ يسلّط الضوء على شخصيات مهمّشة في المجتمع، معظمها ينتمي إلى الطبقة الفقيرة أو إلى الأحياء الشعبية في مدن كبيرة كطرابلس وبنغازي. هذا الأدب الذي انتشر بكثرة في ظلّ استقلال ليبيا وعودة الكثير من المثقفين إلى البلاد بعد استقلالها والمساهمة الثقافية في اعمارها كما هو الحال في الحياة السياسية والاجتماعية، خلق بشكل أو بآخر (جو عام) للحركة الأدبية. فقد صار بإمكان المثقف الليبي أن يؤسس جريدة ثقافية وأن يجد مناخًا ومادةً خام للكتابة الابداعية، مؤسسًا بذلك نمو ثقافي افتقرت له البلاد على مدى عقود طويلة قضتها في ظل الحرب والاستعمار العثماني من جهة، ثمّ تغلغل الفاشية الايطالية في جيوبها وابادتها لنصف الشعب من جهة أخرى. إلاّ أنّنا هنا نودّ التنويه إلى أنّ صحف ومطبوعات صدرت في بداية القرن العشرين كـ “الكشّاف” و”المرصاد” و”الرقيب” و”العهد الجديد”، كانَ لها دور في اظهار بعض المواهب القصصية كبداية حقيقية لظهور فنّ القصة القصيرة في ليبيا، ثمّ ما لبثت هذهِ القصة القصيرة من بدء نموها وتطوّرها مع ظهور جريدة “”””””:””””””””””الطرائف” في ثلاثينيات القرن المنصرم، والتي أنجبت كتّابًا ليبيين واعدين وقتها من أمثال “قاسم فكري” و”وهبي البوري” (نشرت مجموعته القصصية الأولى والوحيدة في العام 2008!!)، بالاضافة لأسماء أخرى ظهرت لاحقًا كزعيمة الباروني على سبيل المثال.

ومع بدء مرحلة الستينيات، وصدور مطبوعات صحفية بكثرة في كلّ من طرابلس وبنغازي وانتشار العلم والقراءة والكتابة، باتَ للكاتب أو الأديب الليبي قرّاءه وجمهوره، وباتت الكتابة الليبية بشكل عام، خاصةً في الصحافة تشهد تطوّرًا ملحوظا. ولآنّ معظم الكتّاب الصحفيون كانوا (ولا يزالوا) يكتبون الأدب والقصة أيضًا بالاضافة للمواد والزوايا الصحفية، فقد نشروا نتاجهم الابداعي في الصحف التي يكتبون فيها مقالاتهم، ممّا ساهم في بناء حركة أدبية لها قرّاءها وجمهورها، وبصدور جريدة “الحقيقة” في منتصف الستينيات وظهور جيل جديد من الأدباء الشباب، لمعت بعض الأسماء الشابة آنذاك بسرعة فائقة، كسطوع نجم الكتابة الساخرة والنقد اللاذع عند “الصادق النيهوم” (1936 – 1994)، والذي كانت مقالاته في جريدة الحقيقة تثير ضجّة في الأوساط الثقافية والاجتماعية، خاصةً بعد بدئه الكتابة والنشر منتقدًا ليس المجتمع والسياسة وحسب، بل كذلك الدين والعرف وتسليط الضوء على نقد تفسير القرآن والفقه والشريعة وأئمة المساجد.

لا يمكن تجاهل ظهور الحركة الروائية في ليبيا مع بداية الستينيات والجيل المواكب وقتها، فحسب الكاتب “ابراهيم حميدان” في مقالته “الرواية التي ولدت حديثًا أصبحت في الواجهة”، يقول الكاتب أنّ أول رواية ليبية حقيقية كانت قد نشرت في العام 1961، ويقصد الكاتب هنا رواية “اعترافات انسان” للكاتب “محمد فريد سيالة” (1927 – 2008)، على الرغم من أنّ محمد سيالة كانَ قد نشر (حسب سيرته الأدبية) رواية أخرى قبيل اعترافات انسان، تحت عنوان “الحياة صراع”، وقد نشرها مسلسلة بشكل أسبوعي في جريدة “طرابلس الغرب”، الاّ أننا لم نحصل على معلومات مؤكدة ان قام الكاتب بنشر روايته المسلسلة في كتاب واحد قبيل صدور روايته “اعترافات انسان” أم لا. تجدر الاشارة هنا أنّ الرواية كانت قد صدرت عن دار الفرجاني، والتي كانَ يترأسها ويديرها “محمد بشير الفرجاني”، أحد أهم الناشرين والأقدم في القطاع الخاص.

في فترة لاحقة من الستينيات، ستكونُ الرواية هي أساس الحركة الثقافية الليبية، وان كانَ الروائيون الصاعدون وقتها قلّة. فـفي تلك الفترة، شهدَ الأدب الليبي تطوّرًا ملحوظًا وارتفاع كبير في مستوى الحرية، بالاضافة إلى أنّ باستطاعة الكاتب وقتها أن يعيش حياة طبيعية من خلال عمله (ولو لساعات قليلة) في الصحف والدوريات، ممّا سيجعل لهُ وقتًا كبيرًا ليقضيه في الكتابة الابداعية. وبرؤية عامة للمناخ في دولة تمّ اكتشاف النفط فيها حديثًا، بالإضافة إلى نشوء حركات سياسية ناضجة وسطوع نجم (حزب المؤتمر الوطني)، والذي كانَ يتّخذ منهجًا ليبراليًا ومعظم المثقفين ينتمون له في تلك الفترة، وبالاضافة لإلغاء الدولة الفيدرالية التي قسمت ليبيا إلى ثلاثة ولايات وتوحيد الدولة بعد ذلك، وأيضًا اعطاء المرأة الليبية الحق في التصويت في الانتخابات وظهور وجوه نسائية مساهمة في العمل السياسي والثقافي، أدى كلّ ذلك لخلق بيئة تساعد كاتب السرد الليبي للانطلاق نحوَ عوالم متجددة تفوق القصة القصيرة. وبما أنّ الرواية في العالم العربي كانت هي الحديث الدائر في المنتديات الثقافية، والشهرة التي باتَ يكتسبها كتّاب الرواية على رأسهم “نجيب محفوظ”، وجدَ الكاتب الليبي نفسهُ في سباق لخوض غمار كتابة هذا النوع المتجدد من الفنّ أيضًا، وان كنّا سنعطي امتيازًا لـ محمد فريد سيالة كأحد الروّاد الأولين في الكتابة الروائية، إلاّ أنّ في خضم الحركة السياسية والثقافية في ليبيا بعد 1963، أنجبت أدباء جدد سيحترفون الرواية في وقت قصير، وأذكرُ هنا الروائيان “أحمد ابراهيم الفقيه” و”ابراهيم الكوني”، بالاضافة أيضًا لـ الصادق النيهوم، رغمَ أنّ هؤلاء سيحترفون كتابة الرواية مع منطلق السبعينيات، لكن فترة الستينيات، خاصةً السنوات السبع الأخيرة، كانت تشبه الدافع الأكبر والحافز لخوض غمار الكتابة الروائية، مع جيل وافد متعطّش للتحرر والحرّية والتمرّد، ليس على الاوضاع السياسية والاجتماعية وحسب، بل أيضًا على الأشكال الفنّية والأدبية، وبما أنّ القصة القصيرة كانت تنطلق في الخمسينات من فكرة نقد المجتمع وابراز عيوبه ومحاولة معالجتها، نقرأ في الستينيات، حالة من عدم ادراك المجتمع، وانطلاق الأدب لمرحلة السخرية السوداء من المجتمع بعاداته وتقاليده والاسس التي بنيَ عليها كما سنقرأ في قصة “”شيزوفرانيا” لعبدالله القويري و”كاتارينا” لكامل المقهور.

من جهة أخرى، فإن القصّة القصيرة في فترة الخمسينيات وحتى الستّينيات، كانت تُكتب بنفس روائي أكثر من كونها تُكتب بنفس قصصي وطريقة قصصية. فمعظم القصص القصيرة وقتئذ كانت تمتدُ بما يقارب ثلاثة آلاف كلمة حتى خمسة آلاف وبعضها يمتدُ حتى يصل إلى سبعة آلاف كلمة، مستغنية بذلك عن كل الرموز والتقصير اللغوي والبلاغة التي يحتاجُ لها فنّ القصة القصيرة، ممّا كانَ ليساعدَ أيضًا معظم الكتّاب آنذاك لخوض غمار الرواية بمادة أدبية خام ونفس متواصل لإنجاز أعمال سردية طويلة.

وحسبَ اعتقادي في ظلّ البحث الذي قمتُ به.. كانَ الأدب الليبي يسيرُ بخطوات واضحة المعالم لدخول عام الرواية بقوّة مع فترة السبعينيات، والتي شهدت تطوّرات أكبر وأعمق في العالم الأدبي، بالاضافة إلى السياسة التي كانت تشهد تقلّبات في الساحة العربية ممّا كانت لتعطي حيّزًا جديدًا في غمار الكتابة الابداعية.

يتبع..

عن محمد المصراتي

قاص ليبي مقيم في بريطانيا

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى