الرجل الذي فقد الأرض من تحت قدميه ..؟!!

من أعمال التشكيلي.. معتوق البوراوي

من أعمال التشكيلي.. معتوق البوراوي

عندما تغيب عنك الأحلام .. ينقطع اتصالك بالوجود .. حياتنا حلم بكل الأبعاد .. وبدون أحلام تظل غارقين في دهاليز اللاوجود .. فالحياة تظل صحراء قاحلة عندما يرفع عنها الحلم .. وكلما ابتعد عنك الأحلام كلما تلاشي الوجود من حولك رويداً رويداً .. كان يقول لنفسه .. إن الوطن مجرد حلم .. وليس ببقعة جغرافية من مكان .. فالحيز المكاني لا صوت له .. إنه مجرد أرض وسماء .. انه طبيع صامته هكذا كان يرى ذلك الرجل .. الذي قدم إلى ليبيا مع جيوش المحور ( الألمان ) عندما هزمت بلاده في الحرب العالمية الثانية .. كان من بين الأسرى الألمان الذين زج بهم في ثكنة ( توريللى ) بمدينة ( بنغازي ) أثناء انتهاء الحرب بانتصار جيوش الحلفاء على ألمانيا .. كان هؤلاء الألمان الأسرى لا يلوون على شيء سوى التسكع في شوارع المدينة .. كنا نرقبهم وهم يمتطون تلك الدرجات النارية وهم يسابقون الريح .. كانوا يريدون أن يقولوا لنا : إننا هنا موجودون .. لقد قتلت فيهم الحرب الشعور بالوطن .. كنت تراهم وهم يتحركون في حركات بهلوانية بتلك الدرجات النارية ..كنا كسكان المدينة ذوي إعجاب كبير بهؤلاء الرجال وكنا نقول لأنفسنا .. لماذا هزموا هؤلاء الرجال ؟ كانت تلك الحركات البهلوانية الاستعراضية يريدون منها أن يطردوا اليأس من قلوبهم التي تحطمت من جراء الهزيمة .. أحد هؤلاء الألمان شعر أنه لم يعد له وطناً .. لقد فضل الإقامة في المدنية وأن لا يعود إلى بلده ( ألمانيا ) .. لقد قرر أن يشعل النار في مراكب العودة على مرفأ مدينة ( بنغازي ) .. فكل السفن التي أتت به من الشمال لم تعد تقوى على العودة مرة ثانية لقد تحطم شراع العودة لديه بشكل مطلق على الشاطئ .. وخاصة بعد سماعه نبأ الكارثة ( الهولوكوست ) على مدينة ( درسدين ) التي هجر إليها أهلها خوفاً من ضربات الحلفاء وأبيدت تلك المدينة بكامل أهلها من قبل الطيران البريطاني والأمريكي فلقد سقطت عليها تلك القناديل بواقع قنبلة لكل شخصين .. كثير من الأسر ذهبت في ليلة واحدة ووصلت حجم الخسائر كما تدليها بيانات الحرب أكثر من 600 ألف شخص ألماني مدني .. كانت تلك الأنباء ترد إليه .. كان الرجل يهيم هنا وهناك ودون هدف يحمله في رأسه وكان الشعورلديه أنه لم يعد له أملاً في أن الكون .. فالوطن لم يعد له وجود سوى على الخارطة .. كان يشير بأصبعه إلى الخارطة ويقول : أن ( ألمانيا ) هناك ولكن بلا روح ..؟!! فلم يعد لألمانيا سوى الاسم .. ذلك الاسم الذي رسم على الخارطة بدون حراك ..

كان عند كل غروب يستلقى على ذلك الشاطئ المحاذي لثكنته في ( توريللى ) وكان نظره يذهب بعيداً ليغوص في الأفق البعيد .. كان يشير بأصبعه إلى ذلك الأفق ليقول .. إن بلاده وراء ذلك الأفق البعيد .. وما هي إلا لحظات وحتى يسود الظلام الدامس نطاق المكان .. كانت أفكاره تسبح بعيداً وتحلق في أجواء الذكريات كان يتراءى له تلك الجموع وهي تندفع في زرافات ملوحة على جوانب الطرق وعلى أسطح المنازل في شوارع ( برلين ) وكانت ترفرف على الساحات وأسطح المنازل تلك الرايات ( البسماركية ) بأوانها الثلاثة .. يتوسطها صليب معكوف .. كان قد شعر بأن كل ألمانيا قد صلبت عليه بعد الهزيمة .. لعلى اليوم قد سادت شوارعها موجة الغربة فلم يعد يسمع بين جوانبها تلك الأناشيد الحماسية التي كانت تشنف الأذان .. ولا تلك الأخبار التي تذاع في الإذاعات المسموعة حول انتصارات

( ألمانيا ) ساد السكون المطبق شوارع ( برلين ) .. وأصبحت ( ألمانيا ) بلا روح .. لقد كانت النشوة تملأ صدره عندما كان يلتقط الأخبار السارة لديه بأن جيوش

( ألمانيا ) تدق أسوار ( موسكو ) وتزحف نحو شوارع ( الشانزليه ) وتجتاح أكثر من ثلاثة أرباع ( أوربا ) . لم يعد تلك الانتصارات سوى الصدى .. ولم يكن يخطر بباله أن ( ألمانيا ) هزمت ..؟!! كان يشعر بأن تاريخ ( ألمانيا ) هو تاريخه الذاتي .. كان الوطن لديه تطلع نحو الحلم .. ولقد ذهبت تلك الحروب اللعينة بكل تلك الأحلام .. لم يعد يبقى له شيء .. أسرته ذهبت بها قنابل الحلفاء .. والوطن ظل بلا روح ..؟!!

لقد أصبحت تلك الثكنة وطن الغربة لديه .. لقد أندس ما بين السكان المحليين لا يلوي على شيء .. فهو لم يعد قادراً على الرجوع إلى بلاده .. كان يشعر بعدم انتماء إلى هؤلاء الناس لقد شعر بأنه كتلة من اللحم والدم تحمله هنا وهناك .. إنه لا ينتمي إلى هؤلاء القوم عرقاً ولا حساً .. كان يرى أن العيش في كنف هؤلاء السكان يبقيه العيش بعيداً عن إطلال الذكرى في وطنه ..

كان الوطن لديه ليس ( ألمانيا ) كسماء وأرض بل سلة من الآمال و الأماني .. لقد ذهبت تلك الانتصارات وأصبحت جزءاً من التاريخ .. كان يشعر بأن تاريخ ( ألمانيا ) هو السيرة الذاتية له .. كان وجود لذات تقطع نحو الحلم .. لم تبق حجراً ولا بشراً في بلاده .. لقد وردت إليه الأخبار بأن أسرته هلكت .. نعم لم يعد له شيء في بلاده .. كان وهو ملقياً على الشاطئ يشعر بدوامة ذكريات مريرة تطبق على رأسه .. أحس بأن رأسه على قرب من الانفجار عندما تتلاصق تلك الذكريات .. كانت لديه أسرة يشعر بالأمان والعطف في كنفها .. كان الوطن لديه طموحاً وآمالاً .. لقد ذهب كل ذلك .. ولم يعد له سوى تلك الحجرة في تلك الثكنة ..لقد أصبحت تلك الثكنة وطن الغربة له .. لقد أندس بين سكان المدينة ولم يعد قادراً على الرجوع لبلاده .. لم يشعر بأي انتماء لهؤلاء الناس .. لقد تحول إلى جسد بين أجساد أخرى تتحرك في فضاء واسع .. فهو لا ينتمي إليهم لا عرقاً أو حساً .. إنه بتفضيله البقاء في مدينة ( بنغازي ) أراد أن يغطس الغربة بكل جوانحه .. فسيان عنده الآن البقاء في وطنه ليبقي بين الأطلال ويذكر كل شيء .. أو العيش بين هؤلاء الناس الغرباء عنه ولعلى يجد في الأخيرة كان يريد المكوث بين هؤلاء أن يحصل على شيء من العزاء .. لقد تحول وطنه في ذاته إلى مجرد أطلال بكل الأبعاد النفسية والحسية.. لقد انتزعت المواطنة من فؤاده .. لقد أصبح مجرد شيء تنوء به الرزايا وتقذفه في دروب المدينة لا يلوي على شيء .. كان كلما شعر بالضيق يحيط به يذرع تلك الشوارع جيئة وذهاباً .. كان ينعث نفسه بتلك التورية من التشرد لدى البنغازيين بأنه مثل كلاب السبخة التي لم تعد لها مأوى سوى التسكع ما بين سبخات المدينة ..كان يشعر بأن الوطن ليس جدراناً أو مباني بل هو أنفاس وأروح .. في الغربة أيضاً بني لنفسه موطناً من البؤس في أن لا يكون ألمانياً .. لقد انتزعت ذاته وعاش وسط الغربة .. لقد شعر بأن ثوب الغربة يضيق عليه يوماً بعد يوم حتى يطبق على أنفاسه فالوطن ليس العيش بين الآخرين بالخبز والماء بل هو شعورات حية لتحقيق ذاته .. حتى ولو فكر في الرجوع إلى وطنه فسوف يعيش في الغربة أيضاً .. لقد أصبحت الأمور لديه سيان أن يكون ألمانيا أو مهاجراً .. ظل الرجل في دوامة الغربة لا يلوي على شيء سوى أنه يقتل نفسه بالعمل طوال النهار ليخلد إلى النوم باكراً .. كان يرى في النوم هو الخلاص الذي يغسل الروح من كل الأدران التي علقت بها ..

في أحد الأيام شعر بدوامة كبيرة أفقدته توازنه .. وشعر بأن الأرض تميد من تحت قدميه .. سقط معشياً عليه .. وهرع إليه المارة . كانت ننظر إليه بعيون غير مكترثة .. أحس بعنف الغربة تسرى في كل جسده .. وكان يردد كلماته الأخيرة الوطن ليس تراباً .. بل هو كينونة ..

كانت تلك آخر الكلمات التي لفظ بها الرجل وهو يودع الدنيا .. وما هي إلا هنيهة حتى غاب الرجل عن الوجود .. لقد مات الرجل غريباً .. لم يحفل بموته أحد ودفن وسط مقابر المدينة .. ولم يوضع على شاهده سوى رقماً …؟!! .

_______________________

نشر بموقع بوابة الأخبار الأفريقية

عن سعد الأريل

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى