الدرويش

المدينة القديمة طرابلس

عن الشبكة

 

كان يقف على شرفة بيته المطلة على الشارع العام في الواقع لم تكن شرفة متكاملة بالمعنى السائد اليوم بل كانت نافذة صغيرة تطل من غرفة صغيرة فوق سطح البيت..كنا ندعوها “بالغريفة”..كامن تلك الغرفة تطل على الشارع العام و كان ينظر إلى أسفل إلى ذلك الحشد من الناس الذين كانوا يذرعون الشارع جيئة وذهاباً فى..حراكهم الذى ينقطع إلا عندما يحين الليل ويرخي سدوله على المكان.

لقد شعر بنفسه أن هناك قوة خفية تحرك هذا البشر على الفعل..لا يدري تماماً ما هي أطلق يديه في الفضاء محاولاً إمساك شيء عندما قفزت إلى ذهنه فكرة الوجود..متسائلا :ما هذا الذى من حولنا ؟

لقد أدرك أنه يعيش في ملاء وأن لديه اقتناعاً بأنه موجود ضمن موجودات تتحرك من حوله..كان هناك صياح يملأ المكان فالتفت إلى الشارع ليجد فرقة من “الدراويش” تذرع الشارع في حلقات ذكر..وارتال وترانيم دينية تصل الى آذان الناس .. كانت تلك الأصوات تصدر بصوت مرتفع وكأن مطلقيها يريدون من الغير سماعها..كانوا يحركون رؤوسهم يميناً وشمالاً..والبعض منهم كان يضرب بالدفوف..كانوا في عرس جماعي البعض يفقد حسه من خلال المدح فيقعون مغشياً عليهم ليهرع شيخ الفرقة لإنجادهم وهو يتمتم بعبارات غير مفهومة، الشارع كان لديه صورة وجودية حية.. كان انتفاضة وجودية  كان يشعر بأنه هناك.. نظر إلى أسفل فرأى بجانب قدميه نملة تتحرك جيئة وذهاباً هي الأخرى..رأى أنها تحمل على ظهرها شيئاً ما..لعله زادها لتحتفظ به عندما تزود بها ..يا إلهي لا أحد لقن تلك النملة أن تنقل ذلك الزاد ..شعر بأن كل شيء حوله يتحرك بوعي أو دون وعي..كأن قوة آلية خفية .. تدفع الوجود..كل شيء يتحرك حتى في عمق السكون..ذات يوم كانت والدته تولول وتصيح عندما أقبل الجنود الإيطاليون إلى بيتهم لينتزعوا زوجها من حضن الأسرة..كانت لحظة فاجعة كبرى في حياة الأسرة..لقد تحرك الألم وسط السكون..ومزق ذلك الهدوء الذي كانت تعيش فيه تلك الأسرة..لقد امتلأ بيتهم من جراء ذلك الصياح الصادر عبر الشارع من معظم جيران الحي.. كان الناس ملتصقين بعضهم البعض..ويواسون بعضهم البعض في الساعات الحرجة..كان التأسف يعلو وجوه السكان وهم يشاهدون ذلك المشهد الرهيب في حياة الأسرة..والده لم يكن جندياً يوماً وكان لا يفقه شيئاً عن فنون الحرب الكثير من سكان الحي “كان يعتقد بأنه قط داخل زكيبة”..فالإيطاليون في الواقع سوف يستخدمونه كمتراس لمقابلة العدو من جنود الحلفاء..والده لم يكن لديه فرصة الاختيار في أن يفعل أو يظل ساكناً في أحضان أسرته والتي تركها دون عائل لها.. “بنغازي” كانت تموت ألف مرة في اليوم.. قنابل هنا وهناك تمزق أجساد الناس الأبرياء الذين لم يشاهدوا قط حرباً بهذه الشناعة.. لقد كان والده شبه آلة في أيدي الإيطاليين لا حول له ولا قوة.

لقد كان يقول لنفسه: هل هو القدر الذي وضع والده في طريق الإيطاليين أم أنه حظه العاثر..لا يدري تماماً!! وفي حركة لا إرادية تحركت قدمه لتسحق تلك النملة المسكينة تحت قدمه..شعر بدوامة تقبض على روحه وتدفعه إلى هوة سحيقة لا قرار لها متسائلاً: ماهذا الوجود؟ التفت إلى داخل البيت فشاهد أولاده يلعبون وقد علت سحناتهم مسحة من السعادة والحبور..نظر إليهم وتذكر قول والدته التي كانت تردد على مسامعه دائماً..إن الأطفال هم أحباب الله..وكانت لا تنفك في وصفهم بأنهم ملائكة.. فلعل الشيء الذي يضفي عليهم السعادة هو أنهم لا يدرون شيئاً سوى تلك اللحظة التي يعيشون فيها..والده الذي ذهب ولم يعد وكذلك جده الذي كان يضعه في حضنه ويضفي عليه نوعاً من الحنان اللامتناهي..

والده وجده لم يعودا موجودين..لقد ذهبا دون رجعة.. وقال لنفسه: إنه سوف يغيب هو الآخر يوماً ما عن أطفاله وهم أيضاً يغيبون بعد غد.

لقد حاول أن يدرك كنه الوجود ولكنه كان جهداً ضائعاً لا جدوى منه..سرت في جسده رعشة ميتافيزيقية.. واندلف إلى داخل البيت مغادراً الشرفة لا يلوي على شيء سوى أن يغرس نفسه في الوجود.. شعر بأنه لا يختلف عن تلك (الجوقة) من الدراويش الذين يصدحون بأصواتهم وهم في نشوة لا أرادية .. ليس الا محاولة من هؤلاء الجماعة الا الأبحار بعيدا عن وجودهم في محاولة ذهاب عقلي عن وجودهم او قل الهروب من انائهم لقد تغربت من وجودها بشكل مطلق ..

_________________

نشر بموقع بوابة أفريقيا الإخيارية.

عن سعد الأريل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى