احتفاء

صدق الجاحظ حين قال: (المعاني مطروحة في الطريق).

ونستدرك فنقول: وكذلك الصور، وكذلك الشعر بصفة عامة، وإلا فما سنسمي هذا الذي قالته الشاعرة “حواء القمودي” في قصيدتها الأخيرة، والتي منحتها من الأسماء “وقوف عند العتبة“:

” يريدني أن أكتب شعرا حارا / حين تلمسه يد تحترق بلهب المعنى / يسري مع أنفاس البحر / طبول حب وزغاريد مطر / أن ألضم دفاتر الأيام بخيط ملون / بأجنحة فراشات الربيع / أن تزهر القصيدة مثل تبرعم نهد / أن أشهق بالرغبة / وأخمش بأظافري / لكنني كل يوم أقف عند عتبة الصباح / أقول هذه الشمس مسرفة / أصوات الصغار مليئة بالشغف / الفراولة تشهر الأحمر/ فلماذا قلبي ملئ بالغم / وهذي ريهام صديقتي الصغيرة تحب القراءة / تشغف بقصص يوسف الشريف / تسيل ابتسامتها ويتورد خداها / فلماذا ؟ / لماذ أنظر لتلاميذ الصف الرابع والسبورة والطباشير الحديث / وقلبي يبكي / أتعثر في الطريق إلى المدرسة / حجارة واسمنت / ورجال بلحي طويلة وقفاطين مقصرة / كم أحتاج الصراخ / كتابة قصيدة عارية / تشهر حنيني لقبلتك / الشوق النازف لرائحتك / لكن / بلادي تموت / وأنا واقفة عند عتبة السادسة والخمسين”.

الشاعرة: حواء القمودي

الشاعرة حواء القمودي.

شعر كهذا لا يغادر كبيرة في الواقع ولا صغيرة إلا واستثمرها، شعر يهتم بالتفاصيل الدقيقة التي نمر عليها كل يوم دون أن تلفت انتباهنا، ويعيد تركيبها شعرا، هي أشياء لصيقة بنا نراها عادية لكثرة تكرارها ولقربها الشديد منا، غير أنها تصبح مدهشة واستثنائية حينما تلامسها عصا الشعر السحرية، وهنا مربط الفرس ومكمن السر.

فهذه المعاني المطروحة في الطريق تحتاج إلى عين لاقطة، وقلب حاضر ومزاج شعري، واستعداد، ذلك أنها لا ترى وغير متاحة للكل، وقصيدة كهذه لا تذهب بعيدا لتكتسب شعريتها بل تتجه إلى الواقع، وفقط تتعامل معه بمزاج شعري رائق لينصاع لها ويخضع لضروراتها.

قصيدة رغم أنها قصيرة بعض الشئ، إلا أنها زاخرة بالتفاصيل، ولا نبالغ إن قلنا أنها قصيدة سيروية أو سيرة شعرية تشبه كتابة اليوميات، إذ تتناول جانبا من البرنامج اليومي للشاعرة بطريقة غير اعتيادية.

فمن خلال القصيدة مثلا عرفنا أن الشاعرة تمارس مهنة التدريس، وأن الشاعرة تذهب إلى المدرسة مشيا على الأقدام، وفي طريقها إلى هناك ستمر على شوارع وعرة التضاريس وتسودها بعض العشوائيات، وأنها تدرس تلاميذ الصف الرابع وأن لديها صديقة صغيرة اسمها ريهام تحب قراءة قصص الكاتب الليبي يوسف الشريف وأنها تتعثر في طريقها إلى مدرستها بالحجارة المطروحة في الطريق وغيرها من المعيقات، وأن القصيدة كتبت في موسم جني الفراولة التي تشهر أحمرها بفصاحة إذ تعرض للبيع في بعض الشوارع، كل هذا الزخم تقوله القصيدة بأقل قدر من الكلمات، وقبل هذا وذاك لا تتخلى الشاعرة عن نبرة الأمل والفرح التي اشتهرت بها قصائدها، وحتى في أحلك الظروف نجد الفرح حاضرا، والأمل مندسا بين السطور.

ثمة ما يجعل الشاعرة تشعر بالضيق والحزن والمرارة، بل وتبكي، بيد أن هنالك من الأسباب ما يجعلها تطرد الهواجس كل مرة والكدر، ثمة ما يجعلها تفرح وتتفاءل، أشياء بسيطة وأسباب قريبة التي تجعلها تفرح إذا ما أرهفت السمع وشحذت الشعور.

” لكنني كل يوم / أقف عند عتبة الصباح / وأقول هذه الشمس مسرفة / أصوات الصغار مليئة بالشغف / الفراولة تشهر الأحمر / فلماذا قلبي ملئ بالغم / وهذي ريهام صديقتي الصغيرة تحب القراءة / تشغف بقصص يوسف الشريف / تسيل ابتسامتها ويتورد خداها / فلماذا ؟ / لماذا أنظر لتلاميذ الصف الرابع والسبورة والطباشير الحديث / وقلبي يبكي !!؟.

وكأنها تردد بحزم لا مبرر للحزن في ظل وجود كل هذا الفرح والجمال، وهي قبل أن تقنع الآخرين بهذه الحقيقة، تريد أن تقنع ذاتها.

للشاعرة حاجات من بينها الصراخ بهيئة قصائد للتعبير عما يجيش به خاطرها، ويداهمها من مشاعر، إلا أن هذا لا يتحقق بسهولة في ظل وطن يتداعى وبلاد تنأى، وهذا مؤلم مرتين لأنه يحدث الآن والشاعرة تقف عند عتبة السادسة والخمسين.

كم أحتاج الصراخ / كتابة قصيدة عارية / تشهر حنيني لقبلتك / الشوق النازف  لرائحتك / لكن بلادي تموت / وأنا واقفة عند عتبة السادسة والخمسين.

طالع أيضاً: وقوف عن العتبة.

طالع أيضاً: حواء عند العتبة.. قراءة في نص: وقوفاً عند العتبة، للشاعرة: حواء القمودي.

عن ناصر سالم المقرحي

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى