أين ليبيا ألتي عرفت؟ (12)

محمد نجيب عبدالكافي

مرّ على الإنسان حين من الدّهر باحثا عن أفضل نظام حكم، وأنسب وسيلة تسيير شؤون البلاد، وإدارة أمور ومصالح الشعوب، فاكتشف واخترع وحاكى، فكلّ ما وصل إليه ما هو إلا عمل بشري، له ككل الأعمال وجهان: أحدهما إيجابي والاخر سلبي والنجاح موقوف على ارتفاع نسبة الإيجابي على السلبي، وإتقان التنفيذ والتعقل فيه. هل نجح الإنسان في مسعاه؟ قد يكون تقدّم وتطوّر، لكنّه لم ينجح كما يرتضي وبحثه متواصل مستمر. إن كلّ الأنظمة التي توصّل إلى تطبيقها كثيرا ما يكون ضعفها في قوتها، وعيبها في محاسنها. لكن الأهمّ هو أن الإنسان غيّر النظم والأساليب، والطرق والوسائل، لكنه لم يغيّر ما بنفسه، فنراه يُبطل هو نفسه ما أتى به وتباهى بصوابه.

يكفي التذكير بمن وضعوا الدساتير الحسنة ولم يعملوا بمقتضاها. البلدية: داخل معظم أشكال وأساليب ونظم الحكم، يوجد ما عرف بنظام البلديات الذي، إن هو أتقن وواكبه التيسير في التخطيط والتنفيذ، صارأنجع وأفيد ركيزة للحكم والحاكم، لأنه الأقرب من المواطن وحاجياته، وهوالوسيلة والأداة لضمان تلبية متطلبات المجموعات وبيئتها، بما لها وما عليها، قريبا من أصحاب الشأن، لأن البلدية تنشأ من الشعب وتعيش بين أفراده، قريبة منه وفي خدمته. هذا المفروض والمقنّن. لكن إذا اعتُدي على المفروض فتلك أغنية أخرى حسب التعبير الإسباني.

عُرف في ليبيا – كعدّة بلدان عربية غيرها – نظام البلديات وأتقنت تطبيقه محاكاة واجتهادا. المثل الإسباني يقول “لا يأتي سوء إلا وحمل معه خيرا.” فالإستعمار الذي قبع عقودا على صدر البلاد، بكلّ ما أتاه من ظلم واعتداء ومساو، قنّن واتبع وترك في مجال البلديات ما لا ينكره عاقل: مدن جميلة التخطيط، بني غازي وطرابلس وغيرهما، نظافة في كلّ الأرجاء، رقابة صحية في أسواقها ومحلاتها العمومية ومنتجاتها، وقوانين بناء وإعمار تتماشى والبيئة والحاجة والجمال. يكفي التذكير هنا بالقانون المانع الارتفاع في البناء بطرابلس – مثلا – أكثر من طابقين أو ثلاثة حسب ارتفاع الموقع. الجميل في الأمر هو أن ليبيا المستقلة لم تلغ تلك القوانين والإجراءات بخط قلم، بل أبقت واتبعت كلّ ما ارتأته صالحا ومفيدا في تلك القوانين، وأضافت ما اقتضته الحاجة والتطور، فاستمرّت النظافة والرقابة الصحية والحرص على التنسيق والجمال فذكرت مدن ليبيا، خاصة عاصمتاها الساحليتان، بالإعجاب وبجميل الأوصاف والتسميات.

– سُكّرة

ليس غريبا أن يأتي المسيء عملا حسنا، بل الغريب هنا هو حفاظه على الكثير من الخصوصيات، معمارية كانت أو بيئية زراعية، وهو الغريب الغاشم، ونأتي نحن فنقضي عليها بأيدينا نتيجة النهم وحبّ المال. امتازت بعض المدن العربية قديما مثل تونس وبني غازي ودمشق وطرابلس، بمنطقة تجاورها، ماؤها عذب وتربتها خصبة، وجنانها فوّاحة، فسمي معظمها بأسماء معبّرة مثل الرّحبة ببني غازي وسكرة في تونس وطرابلس، ودمشق أيضا ولو أني لا أذكر التسمية الصحيحة هناك. فالغريب في الأمر هو أنّ يد الظالم لم تمسّ تلك المناطق بسوء حتى أنّي كنت – في تونس ثمّ في ليبيا – كثيرا ما أخرج ليلا أطوف راجلا أو راكبا بسكرة التي تبدأ عند آخر شارع بن عاشور، لا لشيء غير استنشاق عذب الرّوائح وطيّب الأريج خاصة إذا أزهر البرتقال أو فاحت الحناء. لكنّي، ويا للأسف، فقدت معظم – كي لا أقول كل – سكرة في تونس وفي طرابلس والبطحاء ومثيلاتها ببني غازي. أتى عليها الإسمنت وأكلها الإسفلت أو الزفت.. هل يعني هذا أنّ الغزاة أرحم وأعطف منّا على أنفسنا؟

بالذاكرة المزيد من الارتسامات، فلي عودة إن طال العمر.

– الصورة: شارع النصر، مدينة بنغازي عام 1938م – منشورات صفحة صور ليبية قديمة.

عن المشرف العام

مشرف عام الموقع: رامز رمضان النويصري// المحرر العام: كريمة الفاسي

تعليق واحد

  1. أسامة بن عبدالله

    كلنا يسأل أين هي ليبيا؟

إلى الأعلى