أن تحب ليبيا دون صخب

الشاعر رامز النويصري.

الشاعر رامز النويصري.

“جرح

جرح جديد

غداً يترك ندباً آخر جديد

وآخر

وآخر

وتبقين كما عرفتك

تمدين قدميك في البحر

تغسلين ضفائرك في السحاب

تشاكسين الرمل بيدين منقوشتين

حويته

وخميسه

وقرين”

 

ترى من يخاطب الشاعر “رامز النويصري”.. الحياة؟.. الحرية؟.. ليبيا؟ لا يمكننا في الواقع أن نضع السبابة على أيّ من الأسماء التي خمَّنَّا في محاولتنا الإجابة على هذا السؤال، لنعلن موقنين أنه الإجابة الشافية والنهائية.

وبالكيف نفسه نقف أمام  الشاعرة “نعيمة الزني”:

“أقسم بليالي الشتاء الطويلة

لن أتركَكَ أبداً

مهما صوَّب القدر وسلبني كلَّ شيء

أقسم بكل نبضة حملت اسمَكَ

معتَّقاً بتاريخ دمي

المُصادَر من لائحة العشيرة”

فلا نجرؤ على القطع بماهية من تخاطبه، هل هو الحبيب؟.. الوجود؟.. الحب؟.. الفرح؟.. الحزن.. أم الوطن؟.. ولا يتاح لنا أمام هذين المقطعين – مثلما أمام كل ما لا يكتفي بالطفو على السطح – غير الوقوف خاشعين.

إننا نقف أمام هذين المقطعين المشحونَين بالمعنى، والنابِضَين بوحاً بما لا تحتمله اللغة التي لا نملك أداة تعبير وبوح بديلة عنها.. اللغة تغدو بكماء وتصاب الكلمات بالخرس.. فيما يعجز الصمت “بما له من قدرة الإحاطة” عن استيعاب بوحهما.

ولا يبدو متيسراً لنا ادِّعاء أنهما “إذ نجتزئهما من نصين شعريين” قد أجملا أغراض نصيهما، وباحا بما أضمر قائلاهما، وتلك بعض من مفاعيل الشعر.

الشعر الذي لا نقف أمامه (كما يُفترض، وكما يستحق أن نقف أمامه)، إلا وضمخنا بعبق حضوره وملأنا وجداً وتجلٍّ، وألقى بنا في متاهٍ من التساؤلات، يطرحها علينا.. أو الأحرى يوقظنا على ما نغفل عنه أو نتغافل مما نرسف فيه من تيه اليومي والمعتاد، وابتذال السائد المُستَمْرَء.

يخز الشعر تبلدنا وبلاهتنا، يلهب وجداناتنا بجذوة الشوق إلى المعنى وإلى القيمة.. وإذا بدا من المبالغة القول أن الشعر يحررنا، فلا مجانبة للحق تقرير أن الشعر يوقظنا ويحفزنا ويدعونا بإلحاح إلى أن نتحرر مما يكبلنا.. يصوغنا الشعر أسئلة هوية وكينونة ومصير.. يتوحد بنا ليوحدنا في ذواتنا وبذواتنا.

في بُرَهٍ قليلة نعانقه فيها ويعانقنا، لا يبقينا الشعر رهائن تشتتنا إلى (أنوات) عجفاء شائهة، ويتيح لنا أن (نرانا) كما نحن، لا مثلما نتوهم أو نتمنى. وعندما يوقظنا على ما نرسف فيه من ضياع ووضاعة، لا يفعل ذلك ليسخر منا ولا ليتشفى بنا.. شأن غيره من أفعال القول.. إذ لا الفلسفة ولا الأيديولوجيا أو حتى العلم.. إذ تستعير سمتاً آدميا وتجئ مرتدية مسوح القديسين والمترهبين واضعة قلنسوات الوعاظ والمرشدين، مدججة بالوعد والوعيد، بقادرة فرادى وجميعاً أن تنجز ما ينجزه الشعر.

وجميعها عدا الشعر قاصرة عن مطاولة قامة الانسان وعاجزة.. بفعل ما أورثها قصورها.. عن التحرر من نبرة وسلوك التعالي على الانسان وادعاءات التميز عنه وتوهم دور المنقذين له.

لا الفلسفة ولا الأيديولوجيا ولا العلم قادرة.. ولا هي مؤهلة أصلاً.. لأن تأخذ بيد الإنسان وبأن تحدو خطوه بما تلقي به من ضوء على طريقه ليستدل على المَخرَج من تيه فقدانه ذاته وكينونته ووطنه.. لكن الشعر يفعل.

الشاعر جمعة عبدالعليم.

الشاعر جمعة عبدالعليم.

يعانقنا الشعر ليواسينا عن ضياعنا، يأخذ بأيدينا، ويلقي ضوءً كاشفاً على طريق بحثنا. يتساءل الشاعر “جمعة عبدالعليم”:

“أيُّ شتاءٍ هذا

والمطرُ مُؤَجَلٌ

أيُّ ربيعٍ ذاك والأزهارُ تتحولُ إلى جُثَثٍ؟!

أيُّ عِشْقٍ هذا والحربُ تدور

أيُّ شمعةٍ يمكنها أن تقاوم كل هذا الظلام

أيُّ جذوة يمكنها الصمود

في وجه هذا الشتاءِ البارِدِ العنيدِ “

 

هكذا هو الشعر إذن، يلقي ضوؤه على الواقع البليد فيعريه، يكشف عوراته المغلفة بالشعارات الزائفة، النازّةِ استسلاماً وقدرية زنخة توهمنا بأن (ليس في الإمكان أبدع مما كان) وأن (الخيرة في الواقع) كما استمرأنا القول ببلادة مخزية.

يوَسْوِسُ إلينا الشعر، ويعلمنا أن (في الإمكان دائماً أبدع مما كان، ومما هو كائن) فلا القدر ولا الحياة ولا الزمن ولا الطبيعة تتآمر علينا أو تكيد لنا، وأن كل ما نلقاه وما نعانيه معقود بناصية استسلامنا واستكانتنا واستمرائنا الابتذال والتبلد.

وليجيء الشتاء في موعده ولا يتأخر المطر.. ليكون الربيع ربيعاً حقاً لا يخترم العبث أزهاره.. ولينمو العشق عفياً.. يوقد الشعراء قصائدهم شموعاً تضئ طريقنا إلى المطر والربيع والعشق.. يمنحوننا جذوات وجداناتهم نتقي بها زمهرير الشتاء لندفأ ونستعيد توازننا وكينونتنا، ونزرع الوطن حَبّاً وحُبّاً يجيئاننا بالمطر النقي والأزهار العفية، ويدحران الحرب ليزهر العشق. وتلك بعض من عطايا الشعر والشعراء.

ففي قصيدة عشق للحياة والحب والحرية.. واشتهاء للمطر والربيع.. قصيدة ترقب للنور والدفء والارتواء.. قصيدة كتبتها شاعرة عزلاء ومجردة من كل ما تكتظ به ترسانة العدم والظلام من أحقاد وغِلٍّ، ومن رصاص دم دم، وأربعطاش ونص، وجراد مخرب، ورؤوس جوفاء خالية، ووجدانات مدقعة، وجدانات خَرِبَةٍ.. لم يُبْقِ ما يزحمها من نزوحات الاستحواذ والتسلط وما تكتظ به من أوهام التميز والوصاية على عقول النا وضمائرهم.. مكاناً فيها للحب والحرية، للمطر والربيع، للوطن وللإنسان.

قصيدة وعد.. كتبتها شاعرة بَرِأَتْ مثل كل الشعراء والأطفال من أدواء عميان القلوب والمحاجر، المدعين (دون خجل) وصلاً بليلى، لا تقر لهم ليلى به، لا لشيء إلا لأنها ليست ليلاهم إلا في أوهامهم.

فهي ليلى الناس.. ليلانا.. حياتنا.. مطرنا وربيعنا.. حريتنا وعشقنا.. إنها ليلى الليبيين جميعاً.

الليبيون الذين طالما المحن وأذلهم القهر على امتداد دهور من الظلام.. دهور من التزوير والوهم والإيهام.. أخفقت ” رغم بهرجها وقسوتها ” في ترويضهم.. ولا قُيِّضَ لها أن تدجنهم.. بل غوا من أجل ذلك، وبسببه أكثر حصانة وأشَدَّ استعصاءً على محاولات ورثة الظلام وأكاذيبه وأوهامه لأسرهم في زنزانة الماضي البغيض، وعلى مساعي زرّاع اليأس ورعاة القنوط لاقتناص أملهم في المستقبل وحلمهم به.

الشاعرة أم العز الفارسي.

الشاعرة أم العز الفارسي.

فلا أحد منا يجهل أنه ما من عدة لورثة الظلام ورعاة القنوط.. وما من وعد لديهم.. ولا عهد لهم… وأن كل ما لديهم توعد ووعيد، ولنتأمل مع الشاعرة “أم العز الفارسي”:

“نعوش تطبع قبلاتها على شفاه الأرض

ترسل مع النوارس قلوباً عاشقة

في غفلة نسيت لهفة اللقاء..

انفلتت العصافير من أكُفِّ الصغار

أعلنت الإضراب عن الزمن

صِبْيَةٌ كَبِروا فَجْأَةً..

سقطت ظلالهم.. وليس ثمة شمس يحتمون بها

الرصاص.. شاهد يُلَوِّنُ ملامحهم الباسمة ولا يستحي!!”

 

توعد ووعيد.. جعلا الشاعر “عبدالسلام العجيلي” يلح على الحبيبة درنة.. طرابلس.. ليبيا.. الحياة.. الحرية.. فكلهن الحبيبة، يلح “عبدالسلام العجيلي”، ونلح معه.

“خذيني…

من الواجهات الرّاكحة

من عفن البلاغة ولغو الاستمناء

خذيني…

من فنتازيا الإخوان وتقوى اليسار

ونعومة السّرد المريب

خذيني…

لأني أخاف على منابت الشيح والزعتر

على ملاعب السلاحف والثعالب والفراشات

أخاف على عسل الأوشاز وعشب الكلام

خذيني…

لأني أخاف الظلام “

الشاعر عبدالسلام العجيلي.

الشاعر عبدالسلام العجيلي.

ولكن رغم خوفنا مما باح به “العجيلي”، ورغم زيف وعود الماتحين من مستنقعات العدم وارهاب توعداتهم، ها هو الشعر يتقمص يتوحد بالحياة والحب والحرية، يمتشق السخرية، يمد لسانه في وجه العدم، ودون أن يواري الفجيعة نفاقاً، يفضح عبثية ما يدعيه الفاتحون والمدعون.. يمد لسانه مع الشاعر الشاب “أنيس فوزي” في وجوههم جميعاً:

“حرقوا الغابة

والناس الذين أكلت النار أعينهم

كل كلامهم العادي العجول

كلامهم العجول

كان شعراً “

 

هو الشعر إذن.. ذلك هو ما نلتقيه حيثما يممنا في دروب الحياة.. الشعور الآدمي.. والحس الانساني المرهف.. وحده الخلاص.. ولعله من أجل كونه كذلك يخبرنا الشاعر “محمد الأمين قرين” أنه:

” ليصير العالمُ أفضل..

يجب أن يتحول الجميع إلى شعراء

أنا وأنت

وشيوخ العشائر

والجنرالات

والدعاة”

الشاعرة: حواء القمودي

الشاعرة حواء القمودي

ولكن.. هل يمكن تحقيق ذلك؟.. وهل بمقدورنا أن نغدو جميعاً شعراء؟.. وكيف؟.

تعلن الشاعرة “حواء القمودي”، إذ تناجي القصيدة التي ننتظر، أن:

“هناك الكثير من الحب.. والجمال.. والضوء

لذا يمكنك الهطول.. والطيران..

والمَشْيَ حافيةٍ

فأنا أكتبك..

أقاوم الخراب بِكِ

وأرسُمُ عاًلما بهياً

عالم  تضيؤه قصيدةٌ

قصيدةٌ ينتظرونها”

غلاف كتاب قصائد تضيئ الطريق من طرابلس إلى القاهرة.

غلاف كتاب قصائد تضيئ الطريق من طرابلس إلى القاهرة.

وبقي القول أن ما يكتب هنا يجئ من واقع اطلالة متسرعة على (أنطولوجيا قصيدة النثر في ليبيا)، التي حوت نماذج من قصيدة النثر لأكثر من ثمانين شاعراً وشاعرة، جمعها الشاعر “رامز النويصري” والشاعرة “حواء القمودي”، وجاء صدورها في إطار فاعليات (مؤتمر قصيدة النثر المصرية) في دورته الخامسة التي اختيرت ليبيا ضيفاً شرفياً عليها، كتبت الشاعرة “حواء القمودي” مقدمة للأنطولوجيا بعنوان (قصيدة النثر الليبية عارية تسابق الريح).. ومهد لها الشاعر “رامز النويصري” بدراسة ضافية عنوانها (قصيدة النثر في ليبيا).

عن علي المقرحي

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى