أنا وصغار المعتزلة

من مزايا المعتزلة – كما يقال – أن صغارهم لا يخافون الجن!

ينقسم المعتزلة في الموقف من الجن إلى فريقين: فريق يقر بوجود الجن، لكنه ينفي تماسه مع الإنسان والتدخل في حياته والتأثير فيها. وفريق ينكر وجوده أصلا. وكلا الفريقين يتأول الآيات القرآنية التي تتناول وجود الجن وفاعلياته على أنها مجازات وأمثولات، ومخاطبة للناس وفق تصوراتهم.

لذا يربون أطفالهم على هذا الأساس، فلا يخامر وجدانهم خوف من الجن.
لكن أسرتي – لسوء حظي – لم تكن معتزلية!. كان أفرادها يعرفون أن ثمة أربعة مذاهب فقهية وأن في اختلاف المذاهب رحمة. لكنهم لا يعرفون من أئمة المذاهب سوى الإمام مالك، الذي يعتبرون أنفسهم على مذهبه.

بناء على ذلك، كانوا يؤمنون بالجن والأغوال و “العِبِّيثات” (جمع “عِبِّيثة”)، مثلما كانت تقول أمي، وهي، كما فهمت، كائن قريب من الغولة. والغولة والعبيثة لا تظهران سوى في الليل وظهيرة الصيف القائظة. ويبدو أن ذلك لانعدام الحركة شبه التام في الليل والظهيرة الحارقة، وهما لا تظهران إلا للإنسان المنفرد، وتفران بسرعة عند ظهور إنسان آخر أو ضوء أوسماع صوت سيارة أو نباح كلب. لكن يمكن للغولة أن تظهر على هيئة كلب.

كان أفراد أسرتي وأقاربي يتحدثون بحضوري عن الجن والأغوال ويوردون عنهم الحكايات المختلفة. أكثر من ذلك، كانت أمي تخوفني منها أحيانا.
وهكذا نشأت أخاف الجن والكائنات الخفية، على خلاف صغار المعتزلة.

*

ذات ليلة، ليست حالكة، وأنا في حوالي السادسة من عمري، خطر لأبي أن “يوسع خاطره” عند “جيران” يبعدون عنا حوالي كيلومترين.
تهيب الذهاب ماشيا (ربما لضيق الوقت) فطلب مني أن أذهب معه على الحمارة، ثم أتركه هناك وأعود بالحمارة. لست أدري لماذا لا يذهب على الحمارة ويعود عليها.

طبعا ارتعبت. فسأعود على ظهر الحمارة بمفردي في الليل وفي طريق يشق مزارع زيتون ويخلو من الحركة. سيستفرد بي الجن والأغوال والعبيثات. أعلنت مخاوفي صراحة وحاولت التملص. حاول طمأنتي وإقناعي، وحين لم أطمئن ولم أقتنع، ألزمني.

ذهبت معه. وعند العودة كنت خائفا، أرهف السمع للأصوات وأدقق النظر في ما حولي. بلغ الخوف مني أنني لم أصح على الحمارة كي تسرع أكثر، خشية أن تسمعني بعض تلك الكائنات الخفية فتنتبه إلي وتروعني. (في الحكايات التي كنت أسمعها أن الغولة تلتهم البشر، وغير البشر). وكنت أتخيل أشباحا تتحرك في الطريق في شفافية العتمة. لكنني لم أكن متأكدا مما أرى. لذا لم تتولَّ على عقبيها رباطة جأشي وتتركني للانهيار.لانهيار.

______________________

نشر بموقع 218.

عن عمر الككلي

الاسم: عمر أبوالقاسم محمد شليق تاريخ الميلاد: 1953 مكان الميلاد: تونس مجالات الكتابة: القصة/ الترجمة. تعريف قصير: تربى وعاش بمدينة طرابلس وبها تلقى تعليمه الأول، ثم النقل إلى بنغازي للدراسة بكلية الآداب بجامعة قاريونس واستمر بها حتى السنة الرابعة بالفلسفة.. نشر نتاجه الأدبي مبكراً وذلك من خلال صحيفة الأسبوع الثقافي.. إصدارات: - صناعة محلية/ 1999 –الهيئة المصرية للكتاب - صناعة محلية/ 2000 – الدار الجماهيرية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى