أسطورة الجهات الأربعة

من أعمال التشكيلي معتوق أبوراوي

من أعمال التشكيلي معتوق أبوراوي

 

 

(1)
ويا سيدة النهار البعيد ..
والصدفة التي لا تتكرر..
والجلسة التي ثوانيها من ذهب .
يقولون إن الجهات الأربعة التي نعرفها اليوم ..
شرق وغرب
وشمال وجنوب ..
لم تكن في بداية تكوينها كما هي عليه اليوم ..
يقولون إنها كانت أربعة كؤوس ..
نعم ..
لا تستغربي الأمر ..
فكل بداياتنا كانت هكذا ..
أسطورة قديمة
تحولت بمرور الزمن إلى واقع جديد .
فهل أخبرك شيئاً عن أسطورة الجهات الأربعة ؟

(2)
يقولون إن أربعة كؤوس تبادلت يوماً الحديث ..
كانت متخمة بالوجع ..
ومليئة إلى آخرها بما لا يُحصى من الحزن .
لذلك طال الحديث بينها إلى الخيط الأخير من رداء شمس ذلك اليوم ..
فنحن نشعر بالرغبة في الحديث كلما استبد بنا الوجع ..
ونحن نهرب إلى الشكوى كلما أحاط بنا الظلم ..
ونحن نحتمي بالبكاء كلما امتلأت خواطرنا بالحزن ..
ونحن نلجأ إلى البوح كلما فاض بنا الشوق إلى مجرد لحظة صراخ .

(3)
وهكذا سيدتي ..
تبادلت الكؤوس الأربع حديثاً بكل ألوان الدنيا ..
وتكلمت مع بعضها دون أن تنطق بحرف .
وذلك لأن أفواه الكؤوس ليست كأفواه البشر ..
لكن زجاجها سهل الكسر ..
كمشاعر الكثير من البشر ..
قابل للخدش كإحساس يتيم ..
معرض للتلف كضمير مرتشي ..
ولامع جداً ..
كابتسامة منافق بالوراثة .

(4)
وطال بالكؤوس السهر ..
من مطلع النهار إلى مطلع الروح ..ومن مغيب الشمس إلى غياب الوعي ..
ومن بدايات الحرف .. إلى نهايات القصيدة .
وهكذا سيدتي ..
تبادلت الكؤوس الشكوى .. وامتلأت بالحزن ..
وشربت الكؤوس من بعضها حتى ارتوي منها الزجاج ..
وعندما اشتد بينها النقاش .. اختلفت .
ولأول مرة تختلف الكؤوس ..
ولأول مرة يعرف الزجاج معنى أن يُخدش بالإساءة ..
وأن ينكسر بالوجع .. ولأن خدش الزجاج لا دواء له ..
ولأن كسر الزجاج لا جبيرة له .. ولأن وجع الزجاج لا شكوى له ..
فقد قررت الكؤوس أن تفترق .
ومنذ ذلك النهار تفرقت الكؤوس سيدتي ..
وقصد كل منها اتجاه .. فخلق الله من أجلها الجهات الأربع ..
فصار الكأس الأول شمالاً لا يهتم بالجنوب..
والثاني جنوباً لا يهزه الشوق إلى الشمال .
وأصبح الثالث شرقاً لا يعنيه الغرب في شيء ..
فيما تحول الرابع إلى غربٍ لا يتجه بهامته نحو الشرق ولو على سبيل المزاح.
وهكذا سيدتي ..نمت للكؤوس الحزينة جهات أربع ..
ولهذا السبب ..
لا يزال المسافرون في كل أنحاء الأرض يشعرون بالحزن كلما بدأوا مشواراً للسفر ..
ليس لأنهم موشكون على الفراق ..
بل لأن الكؤوس التي خُلقت من أجلها الاتجاهات
كانت كؤوساً حزينة
يقولون إنها اجتمعت ذات نهارٍ لتبادل الشكوى
فتبادلت الحديث .. وإنها كانت متخمة بالوجع ..
ومليئة إلى آخرها بما لا يُحصى من الحزن ..
فاختلفت ذات يوم
فتفرقت إلى هذا اليوم .. ولا زالت تفترق !

عن الصديق بودوارة

الاسم: الصديق ابريك سليمان بودواره تاريخ الميلاد: 24/8/1963 مكان الميلاد: المرج/ ليبيا مجالات الكتابة: القصة/ المقال/ الكتابة الساخرة. تعريف قصير: انتقل من مدينة المرج حيث ولد، إلى مدينة البيضاء حيث واصل دراسته، حتى تحصل على بكالوريوس في مجال الزراعة العام 1988.. له زاوية أسبوعية بصحيفة "الجماهيرية" بعنوان.. "قبل أن أنسى". إصدارات: شجر المطر/ قصص قصيرة/ 1998.

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى