أرفع راسك فوق لين تبان خنانتك!

في مارس 1982، تهبط مركبة فضائية على مدينة “جوهانسبورغ” بـ جنوب أفريقيا، وفيها مخلوقات غريبة سيسميها البشر لاحقًا “براونز”. ولأن المركبة الفضائية تعطلت فوق سماء تلكَ المدينة، فستضطر حكومة جنوب أفريقيا لاستضافة هذهِ الكائنات الغريبة، ويقومون بوضعها في محمية صغيرة تسمّى “المنطقة 9”. وقد خيّل لي وأنا أشاهد الفيلم المناهض للعنصرية، أن عرب الوطنطن اتفقوا على حصر شعب التبو في محمية كبيرة، تمامًا كما يفعل الانسان بالمخلوقات الفضائية التي نزلت إلى الأرض في الفيلم السينمائي: يضعونهم كلهم في تلكَ المحمية ويحرّم عليهم الخروج منها أو الاختلاط بباقي البشر أو الجلوس في الحدائق العامة والتجوّل في الأماكن المكتظة بالمواطنين. لنتخيّل الأن هذهِ الفكرة – وأنا على علم بمدى رومانسيتها عند بعض قرّاء هذا النص -. لنتخيّل: أنّ هناك مسلّح ما يقف على جثث رجال ببشرات سوداء، صارخًا لعدسة كاميرا احدى وكالات الأخبار المحلية: “مطلبنا الحرية بس”! ولنتخيّل أنّ هذا الفيديو تمّ نشره على موقع يوتيوب، وتضعه كل الصفحات الليبية على موقع فيسبوك تحت عنوان “اشتباكات ثوّار مدينة “فلان” المجاهدة مع أزلام النظام”. وعلى الرغم من أنّ النظام (الذي يتحدثون عنه) قد زال وشبع موتًا، إلاّ أنّ الرغبة في التراجيديا والدراما هي كاللعنة تطارد شعب الستة مليون نسمة، ولأن شعبنا بطبعه عنصري وجهوي، فلا بأس بالاستمرار في اضطهاد الأقليات تحتَ مسمّى الثورة وتحتَ مسمّى “القضاء على أذناب النظام”.

***

سيقول أحدهم لي وقدماهُ تدعس وجه “الليبي الأسود” (مع اختلاف العرق واللغة واللهجة): “نحنُ لسنا عنصريون، نحنُ وطنيون”، وبذات الجملة أيضًا، سيختمُ نائب الحزب اليميني المتطرف كلمته أمام جمع من المناهضين للوجود الأجنبي في انكلترا.. هذا مشهد من فيلم أخر بعنوان “هذهِ انكلترا”، وفيه البطل “شون” طفل في العاشرة أو الحادية عشر من عمره، فقد والده في الحرب، ووجدَ نفسهُ أمام “كامبو”، الفاشي الذي خرجَ للتوّ من السجن، ليزرع في رأسه أفكارًا مناهضة للوجود الأجنبي في “بلد الصليب الأحمر”. يخطرُ في بالي الأن وأنا أحكي عن هذا الفيلم، ذاك المشهد الذي يقولُ فيه كامبو لـ شون ما معناه أنّ والده مات في الحرب “من أجل هذا الوطن، ومن أجل أن يحيا بكرامة وعزّة”، ولذلك، فـ عليه “أي شون” أن يخلص لذكرى أباه، وأن ينظم لكامبو وفريقه من الفاشيين تحتَ اسم “الوطنيين”، ومهمتهم الوحيدة هي زرع الرعب والخوف في قلوب الباكستانيين والهنود والعرب الذي باتوا يحتلون “بتواجدهم” انكلترا.

يعيدني فيلم “هذهِ انكلترا” إلى ذكرى ما حدثت لي في طفولتي. كنت آنذاك في الصف الخامس ابتدائي، وقد دخل إلى الصف طالب جديد اسمهُ “لطفي”، ولأن الطالب الذي يشاركني المقعد يومها كانَ غائبًا، فقد جلسَ لطفي قرابتي مؤقتًا. أوكلت لي المعلمة مهمة تعريف لطفي بباقي الزملاء والبقاء رفقته طيلة فترة الدوام. وبعدَ أيام، باتَ لطفي مشهورًا في المدرسة بمشاغبته للمعلمات والطالبات واجادته للعب الكرة، كما أنّهُ صارَ رفيق طلاّب الصف السادس، ذوي البنية الضخمة والذينَ يجلسون في زاوية ساحة المدرسة بجانب شيشمة الماء، يستفزون كلّ الطلاّب الذين يقتربون من هناك لشرب الماء أو غسل وجوههم. أزعجني ذلكَ طبعًا، وبطبيعة الحال، تناسى لطفي حسن ضيافتي لهُ في أول يوم له في المدرسة، وكلّ من في الفصل باتوا يشتكون منه، لأنه يتجاهل زملائه ويقضي أوقاته مع أولاد الصف السادس، بل ويمارس دور المتريّس والكابّو على الصف عندما يكونُ حاضرًا: لا أحد يفتح فمه في حضوره، وان أرادَ النوم في احدى الحصص الاضافية – والتي يكثر فيها الصراخ والكلام والضحك – يقفُ على مقعده ويصرخُ في الصف أمام المعلمة بأن نخرس. وان تجرأ أحدهم وردّ عليه، فإنّ هذا الأخير سيتعرض لملاحقة لطفي وأصحابه بعدَ نهاية الدوام في احدى أزقة “شارع جاكرتا”. بعدَ أشهر قليلة، تناسى كلّ من في الصفّ “لطفي” ونكرانه لجميله.. احدى الزميلات قالت لي ذات يوم “عادي.. أصلاً هو مغربي”. وكان لمفعول هذهِ الجملة شيء من الراحة النفسية في داخلي، وذلكَ لأنّ شيئًا ما في عقلي الباطن كانَ يقول أنّ مهما كبر لطفي واعتقد أنّهُ كابّو الصف والمدرسة، فإنّهُ سيظلّ “مغربي”، مواطن درجة ثالثة! وعلى الرغم من أنهُ كان “ولد بلاد” – خير مني ومنك – ولم يكن حتى يجيد اللهجة المغربية، إلاّ أنّ لعنة كونه “لطفي الماروكي” على ألسننا، ظلّت تلاحقه.

***

أرفع رااااسك فوووووووق.. لين تبان خنانتك، كما فعلَ هتلر “الوطني”، والذي حاولَ الحفاظ على نقاء عرق الألمان وصفاء دمهم بقتل اليهود والمعاقين والمثليين.

أرفع رااااسك فوووووووق.. لين تبان خنانتك، كما فعل موسيليني “الوطني”، بقتله لمئات الألاف من الليبيين من أجل شاطئ ايطاليا الرابع.

أرفع راااسك فووووووووق.. لين تبان خنانتك، كما فعل شارون “الوطني”، بإبادته للفلسطينيين والمجازر التي أقيمت بحقهم.

أرفع راااسك فوووووووووق.. لين تبان خنانتك، كما يفعل القتلة والمأجورين والسفاحين.. وكما نفعلُ كلّ صباح.

***

يوم 20 فبراير 2011، قال لي صديقي الشهيد “منير اعصيدة”: “طالعين مظاهرات، والقذافي يضرب فينا بالميم طاء.. طرابلس كلها نايضة ياحميدة.. وبحداي (لطفي الماروكي) يوتّي في الجالاطينا”.

***

تقول النكتة الليبية أنّ الرئيس الأمريكي “باراك أوباما” لا يحبّ تناول الكحول رفقة وفد من السياسيين الليبيين، لأن وقتها “حيصير فيها طياح القدر، ويقولولي، صب، صب، يا عبيد”. ويخطرُ في بالي هذهِ اللحظات أيضًا، أنّ الشيء الوحيد الذي أعاتب الثورة عليه، هو ارتفاع سعر كيلو اللحمة الوطنية. فـ لماذا اذن لا نصيرُ نباتيين؟ نتناول الجبن والزيت والخبز معظم الوقت وان أحببنا تناول البازين، فمعلش ان طهيناه في مرقة البطاطا، دون لحم.. لننسى اللحم قليلاً.. ولنربي الحيوانات لتكبر دونَ قتلها وذبحها: نستلذ بشرب حليبها، نهتم ببيضها وأولادها.. ولندخلهم مدارسنا أيضًا، ونعلمهم فنّ التلقيح، ونسمح بالسير رفقتها في الشوارع، وتخصيص كراسي للحيوانات ذات الأربعة في المطاعم.. هكذا سنستغني عن مفهوم اللحمة الوطنية التي ندّعي أنّنا حريصين على توحيدها، رغمَ أنّ المشهد الذي يجتاح مخيلتي لحظة قراءتي لهذا المصطلح، هو، عبارة عن ضباع مفترسة في ليل صحراء بلدنا تتنافس على جثة غزال غطّاه الذباب.

لنعتني بحيواناتنا الوطنية وننسى لحمها الوطني.. وقتها لن ينقرض الكائن الليبي بسبب عنصريته وحقده على الأخر الملوّن. سنصير بفضل تربيتنا للحيوانات وعدم قتلها استلذاذًا بلحمها الوطني، سنصيرُ من بلد الستة مليون نسمة إلى بلد العشرين مليون نسمة.

عن محمد المصراتي

قاص ليبي مقيم في بريطانيا

تعليق واحد

  1. عاشو معنا التبو منذ عصور ..ولكن ما يحدث الان يسوجب النضر الى ابعد من الكفره لما هو قادم من خارج ارض الوطن

    ويا ليبى ارفع راسك فوق بحريه وحتى ولو “كما يقولون لين تبان اى شى يرونه” ستبقى ليبى حر ويكفى ان ترى نفسك

    ليبى وحر وليرو ما تستطيع اعينهم

إلى الأعلى