أحمد ابراهيم الفقيه ..

يقول في كتابه الصحراء وأشجار النفط «لكي تكون في حياتنا حياة فلا يجب أن تكون الحياة رحلة قصيرة وسريعة من ظلمة الرحم إلى ظلمة القبر، وعلى المرء أن يجعل لحياته قيمة يحقق بها الارتقاء والسمو عن عوالم الكائنات الأرضية الأخرى».

تعرفت إلى الكاتب الأديب «أحمد إبراهيم الفقيه» في رؤيته الإنسانية هذه من خلال قراءة كل قصصه التي كتبها آنذاك قبل أن أتعرف إليه شخصياً في منتصف السبعينيات.. كنت ساعتها في بداية تجربتي القصصية وقد شدني أيضاً لتلك القصص أن وجدت فيها شيئاً من روح سيد القصة القصيرة في الوطن العربي يوسف إدريس، وكنت مدمناً قراءة إبداع هذا الأديب الكبير.

الكاتب أحمد إبراهيم الفقيه.
الكاتب أحمد إبراهيم الفقيه. الصورة: عن الشبكة.

نقطة الانجذاب الأخرى لأعمال الفقيه هي ذلك الحضور الدائم للماء في قصصه، وكان الماء هو عنوان أول تجربة قصصية لي وهي «لو تمطر».. هو حضور يجعله متلازماً مع الحياة والحب والمرأة والوطن، بل هو كل ذلك جميعاً.. كان الماء وهو المطر أو النهر أحياناً والبحر أحياناً أخرى بارزاً في عناوين أعمال الفقيه: «البحر لا ماء فيه» «بيت له شرفة على البحر» أبناء الماء وأبناء النار» – «الرجل الذي لم لم يشاهد في حياته نهرا» – «تجيئين كالماء وتذهبين كالريح» وغيرها..
وعندما كتبت قصة «الجفاف» لاحظت بعد نشرها أن سليمان بطل القصة الذي اكتشف انحسار النهر في قريته ربما هو نفسه «الرجل الذي لم يشاهد في حياته نهراً» إحدى أجمل قصص الدكتور الفقيه التي ارتبطت بذهني وقد كتبها العام 1974.

في ذلك العام شاءت المصادفة أن تبدأ معرفتي الشخصية بالأديب «أحمد إبراهيم الفقيه» حين سلمني جائزة القصة القصيرة في أحد المهرجانات الأدبية الطلابية باعتباره رئيساً للجنة التحكيم في ذلك المهرجان.
وفي تلك الفترة بدأت تتألق في فضاء الثقافة الليبي إحدى أولى الصحف الأدبية المتخصصة ليس في ليبيا فقط بل في الوطن العربي وهي الأسبوع الثقافي، واستطاع الأديب أحمد إبراهيم الفقيه، الذي كان أول من تولى رئاسة تحريرها أن يجعلها منبراً للإبداع والحوار حفل بأسماء أهم فرسان الكلمة الليبيين والعرب مشرقاً ومغرباً. الروح نفسها التي قاد بها أحمد إبراهيم الفقيه صحيفة الأسبوع الثقافي، كانت أيضاً وراء ميلاد صرح آخر في مستوى التميز نفسه هو مجلة الثقافة العربية التي بدأت الصدور في بيروت، وكان الفقيه أول رئيس تحرير لها قبل أن تنتقل إلى طرابلس ثم بنغازي.
يستوجب التذكير بأن الأديب أحمد إبراهيم الفقيه هو رائد للقصة القصيرة المكتملة والحديثة في ليبيا بين كوكبة روادها الذين تجلوا في مرحلة الستينات، ومنهم كامل المقهور ويوسف الشريف وخليفة التكبالي وإبراهيم الكوني وعبدالقادر أبوهروس وعبدالله القويري وبشير الهاشمي وخليفة الفاخري وغيرهم، وكاتباً منفتحاً ومساهماً في حوارات وفعاليات البحث في قضايا هموم امته مدركاً لمتغيرات العالم وتداعياتها.. مؤمناً بقدرة العربي في التغيير وصناعة المستقبل الأفضل، وهو الذي يقول في مقال مبكر «لابد أن يولد السحاب في بلادنا ولن تأتي السحب من بلاد الآخرين لتصنع أعياد المطر في بلادنا».

لم ينحصر عطاء أحمد إبراهيم الفقيه في أعماله الإبداعية قصة ورواية، والتي ترجمت إلى أكثر من لغة، أو كتابااته ومقالاته الصحفية، إذ كان أول من أسس للمسرح الغنائي في ليبيا بكتابته أوبريت «هند ومنصور» الذي ألف موسيقاه ولحن أغانيه الموسيقار الليبي علي ماهر وأداه طلبة المعهد الوطني للتمثيل والموسيقى الذي عمل الفقيه مديراً له العام 1971.

قدم الفقيه أيضاً مساهمات مهمة في الإذاعة الليبية منذ سني تأسيسها، وأنتج لاحقاً برامج تمثيلة تاريخية في الثمانينات قدم فيها نفسه ممثلاً أيضاً.
وفي القاهرة عرفت الفقيه مبدعاً متطوراً ومطوراً يتحفنا بأعماله الإبداعية قصة قصيرة ورواية ومسرحاً، متجاوزاً فضاءه المحلي إلى فضاء الأدب العربي الواسع ثم العالمي الأوسع، وكما استطاعت قصصه الأولى أن تتسع لتفاصيل القرية وتحمل هم الوطن، كانت الرواية عنده متسعا للهم العربي والإنساني، والفضاء الرحب الذي مكنه من أن يضيف إلى الرواية العربية ويساهم في بناء مجدها.

وتجاوزت كتابات الفقيه الصحفية، الوطن الصغير إلى شؤون الأمة والعالم.. من صحيفة «الشرق الأوسط» إلى صحيفتي «الأهرام» و«القاهرة»، مروراً بعديد الصحف العربية، حيث وجد في تلك المقالات مجالا يمكنه من التصدي للقضايا السياسية والتعبير عن هموم المواطن العربي وتطلعاته في الحرية وبناء التقدم.. وقد أفلح في إنجاز هذا التوازن أو التكامل بين عطائه الإبداعي وإنتاجه الصحفي.

عن بشير زعبية

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى