أحزان مُقّفلة

البانوسى بن عثمان

من أعمال الفنان التشكيلي رضوان الزناتي

من أعمال الفنان التشكيلي رضوان الزناتي

انه يحمل فوق كتفيه . رأس مملو بالكثير من الحماقات , انه ابنى وأعرفه . يجب ادخاله القفص , كى لا يطير ثانيتا , يجب تزّويجه , واغراق هذا الرأس فى هموم الحياة اليومية الصغيرة حتى يسّتوى . لا اجد حل غير هذا . قال الاب كل هذا , دُفعة واحدة ثم سكت . اطرقت الام قليلا ثم قالت :- لكنّه يتهرب حين افاتحه فى هذا الشأن , فانت تعرفه حججه متينة ولا اجد امامها الا الصمت .

لقد سمع حديث والديه , وهو يهم بالدخول الى حيت يجلسان . شَغله ما سمع كثيرا , واستشف ثقل ما يُعانيان . اقلقه ذلك كثيرا , فأستسلم لرغبتهما . اتى على نفسه وتخلى عن قراره بالرحيل . فمند سنوات مضت , وبعد حوار دام طويلا مع نفسه , فى جوّف زنزانة إنفرادية . احّتوته ظلّمتها المُغلفة بزمهرير ليلة عاصفة , من ليالى ديسمبر الطويلة , بأحد سجون طرابلس , اتخذ قراره بالرحيل , إن حالفه الحظ بالخروج ذات يوم .

لقد حاول الرحيل ذات مرة , فخذلته حساباته . ورمت به فى قبو زمن ميت . تناوبه فيه زنازين وسجانين وزمن بطعم الموت . لا زالت مرارته تسْكن حلّقه . لقد كان غارق حتى (شوشة رأسه ) . فى استرجاع ماضي ملأ عليه حواسه . ففصله عن حاضره . لولا مُعاودة طفلهما للصراخ , فأنتشله فى طرّفة عين الى آنيه الكئيب .

كان طفلهما يصرخ بوهن هدّه التعب , لا يكاد يُسمع من هدير السيارة المسّرعة بهم صوّب الشمال , لكن للأبوين اذن تحس قبل ان تسّمع . كانت الآلام التى يُعانيها طفلهما , تعّتصر قلبهما , فينزفان دموعهما بصمت , كل بطريقته , وليس الذكر كالأنثى . كان صراخ الطفل ينقل لهما توجّعات هذا الكيان الغض الملفوف فى قماط من قماش . كان الجسد الصغير يسّتعين بالصراخ لمقاومة الآلام التى تحاول افتراسه . وعندما يفلح فى صدّها احيانا وتتراجع عنه , يغّفو الصراخ فيخّمد الجسد , ولحظتما تسّتجمع الآلام قواها , وتنّهض , يسّتفيق الصراخ المُقاوم . كان كيان رُغم طراوته لا يعرف الاستسلام ابدا . وهما امام كل هذا لاحول لهم ولا قوة . كانت الام تذرف دموع سخية بصمت مطبق . وهى تحتضن الجسد الغض , بحنان بالغ , وتضمّه اليها لإلصاقه بكيانها , عل هذه الاوجاع تتخلى عنها وتتسرب اليها . كانت تسّتجمع كل قوى تركيزها فى محاولة منها , لسحب الاوجاع الصارخة , التى تتناوب طفلها , والدفع بها بعيدا عنه . فقد قال لها ذات مرة , فى مقّدور البعض الدفع بالآلام بعيدا عن الكائن البشرى , باستجماع تركيز شديد لصورة ذهنية بالغة الوضوح لما هو مرّغوب . لكن رغم محاولاتها المتكررة , لم تُفلح فى ترويض تركيزها والسيطرة عليه , فما ان تبدأ حتى يتفلّت ويتبعّثر , فلا تستطيع لمّلمته ثانيتا , من فرط الارهاق , فتنهار وتسّتسلم لأحزانها .

استسلمت الآلام وتراجعت امام مقاومة الجسد الصغير . فسكت الطفل وغفى . اتخذت السيارة المسرعة بهم صوّب الغروب . عمّ صمت اطبق على كل شيئي حوّله , تسلل عبر ممراته الى داخل ذاته , التقى صوّتها القادم من اعماقه قائلا :- اعرف بأنك لن تتكلم , فقد حفظّة درس سجانيك جيد , فى زنازين زمنك الميت . للصدق اقول :- لم تكن نجيب فى سنينك الاولى , فصعب عليك ابتلاع دروسه وهضّمها . ففشلت . وفشل سجانك معك , فمدد سنين سجّنك الخمسة , بعدما انهيتها يوما يوما ساعتا ساعه بل دقيقة دقيقة . فهو لن يطلق سراحك , حتى ولو افنيّت بقية عمرك داخل زنازينه , اذا لم تتعلم بان السكوت من ذهب فى كل الظروف زمان ومكان , وفى ما بعّدهما , داخل دروب وممرات العوالم المجازية اللغوية الواسعة . ثم اضاف القادم من اعماقه قائلا :- اعرف بانك تتقدم بموكبك الحزين هذا نحو مدن الجوار , نحو مدن (بحّرية العينين) . هكذا يحّلو لك تسّميتها فى لحظات صفّوك النادرة , لتدق ابوابها بكلّتا يديّك , مُسّتنجد . بدواء . علاج . عافية . تدفع بها الآلام عن طفلك والاوجاع التى تتناوب على جسده مند عشرة ايام , وتفكك بها احزان زوجتك المسّكينة .

فصحرائك حيت منابت طفولتك ومراتع صباك , تخْتزن فى جوّفها , الكثير من الحوّل والطوّل . لكنها لا تُخّرجه الا نكدا . ففى واحدة من تجلياته الفاقعة . تمكّنت به من دفع البحر بأمواجه بعيدا عن اقدام اكبر حواضر الشمال . وجعلته يباس , وبلّطته , وضربت فيه طريق , ربما تشبّها (بموسى) , ولكن (لموسى) عصاه , ولصحرائك ما ان مفاتيحه لتنؤ به العصّبة اولو القوة , ولك انت احزانك تحّملها وتدرع بها الارض , باحتا ومُفتش عن طريق تُصلك الى . دواء . علاج . عافية . تدفع به الموت المحاصر لطفلك فى حضن امه . انتشله من اعماق ذاته وحواراتها الموجعة , معاودة الطفل للصراخ .

نظر الى ساعة يده , كانت تشير الى الرابعة وبضع دقائق صباحا . امامه القليل من الوقت , يفّصله عن الوصول الى المنّفذ الغربي لمدن الجوار . قفز الى ذهنّه (التسّريح الأمني ) , حاصرته هواجس سوداء . حاول جاهدا الحصول على ذلك التسريح اللعين , نصحه ذويه ومعارفه , بالذهاب الى فرع (المكتب الثاني) بالإقليم الجنوبى , قَبِل بعد تردد , فقد كان جديد العهد بما هو فيه . فلم يتمكن بعد من نفض غبار زنازين زمنه الميت عن كاهله . فبرغم محاولاته المتكررة , فقد كان الفشل حليفه دائما . فلازالت مفردات سجانيه الخشنة , تُعشعش فى تنايا ذاكرته , مُختلطة بحشّرجة مزالج وافقال صدئة , وصفعات لأبواب فولادية لزنازين كالقبور . ولكن توجّعات طفله واحزان زوجته , جرّت قدميّه الى ذلك المكتب . لم يُسمح له بالدخول , اُوقف امام باب حديدى عملاق , يتربّع بنصّفه العلوى , شباك صغير تتخلله قضبان شاقولية صدئة . حدّث العسكرى المناوب من خلال القضبان الصدئة قائلا :- اريد تسريح امنى يمكنني العبور الى بلد الجوار للعلاج . طلب العسكرى هويته الشخصية . وغاب بها خلف الباب زمن طويل . وعاد . بعدما ناوله هويّته . قال :- لا تسّريح امنى فى الوقت الحاضر , راجعنا بعد اسبوعيّن . حاول فتح باب للنقاش لإفهامه . قفل العسكرى الشباك ذى القضبان الصدئة , فانّسدت فى وجهه المنافد جميعها غربية وشرقية وشمالية دفعة واحدة .

ظهور الاضواء الساطعة للمنفذ المفّضي الى بلد الجوار , اعاده الى حاضره , بكل تفاصيله المرّتبكة . ها هو امام المنفذ الغربي , ركن سيارته على الجانب المقابل لمكتب الجوازات , لمّلم اوراقه ونزل , عبر فى اتجاه مكتب الجوازات , وجد نفسه امام الشباك , اُصيب بذهول تام . نفس الشباك ذى القضبان الشاقولية . نفس الملامح التى خطة وجه العسكري المناوب . نفس المفّردات , التى كان يلوكها اتناء حديثه . نهضت بالمكان نفس الروائح , التى كانت تفوح من ذلك المكتب بالإقليم الجنوبي . كظم اندهاشه , ناول اوراقه الى العسكري , القابع خلف الشباك . تفحّصها جيدا , ثم قال :- انتظر , اختفى مع الاوراق وراء ابواب كثيرة , وعاد بعد زمن طال , ارجع له الاوراق واردف قائلا :- ينقص اوراقك مستند (التسريح الأمني) , يجب احضاره من مكتب الاقليم الجنوبي , فلا عبور الى الجوار بدونه . حاول فتح باب للنقاش لإفّهامه , قفل العسكري الشباك ذو القضبان الصدئة . فأنسد فى وجهه المنّفد الذى لا يبعد عنه سوى خطوات . نهض فى صدره غضب طفق يكبر شيئا فشيئا , مع صوت قادم من أعماقه يقول :- ان رجعت الى الجنوب , فلن تصل , وان وصلت , فلن تعود , انهم يصّنعون لطفلك , تابوت لا يزيد (انش) واحد عن طول جسده الصغير .

امتلأ صدره غضب حتى الضيق , ضاق به المكان , فضاق به الكون , فقدفه الى عوالم ما بين الصحّوة والغيّبوبة , فتراءت له قريته . وهى مطوّقة باسلاك شائكة , عيناها وفمها قد قفلت بقضبان شاقولية , مع ابواب فولادية , لها مزالج واقفال صدئة كزنازين . ظهرت اعقاب بنادق تحملها احدية ضخمة تجوب الانحاء . امتلأت مسامعه بلغط لرطين , تعلّم فك ابجدياته فى ابتدائيات الجنوب زمن صباه . اُناس لهم سحنات رُسمت بملامح اهل الشمال البارد , حيت منابت الصقيع المغلّف بالضباب , يلعقون قار اسود بنهمْ نار جهنم . اعلام ورايات انجلوسكسونية واخرى رُسمت بخطوط بيضاء وزرقاء , تُغطى المكان . اهل قريته عجاف لا هامات لهم , يتعالى من عيونهم , صراخ ينّضح خزنا . تتوسط قريته شاشة عملاقة , يتعالى منها ضجيج , يغطى اشياء مذهلتا , لها استفهامات بحجم الانسان وحياته . ضجيج فى ضجيج فى ضجيج يملأ ادنيه . استفاق من غيبوبته مرّتبكا , على صوت فرامل شاحنة ضخمة , كادت تدهسه , دفعته قليلا , اخّتل توازنه , كاد يسّقط ارضا . قائد شاحنة النفط , صرخ بغضب , ينِم عن سوء منابته . قائلا :- ان لم تنتبه لنفسك سوف تموت . رد محدّث نفسه . من لم يموت بالسيف مات بغيره .

انتبه الى انقباض يحتوى صدره , جر قدميه بصعوبة , نحو السيارة . حيت الطفل وامه , عبر الطريق , وعلى بُعّد خطوة واحدة من السيارة , سمع نحيب لبكاء خافت . فتح باب السيارة , رفعت فيه عينين باكيتين , تتوسط وجه , يعّتصره الم اصفر , وبصوت يغالبه البكاء , قالت :- لقد اختفى الدفء عن جسده الصعير . وتحول الى قطعة باردة . انحنى على مسند السيارة الأمامي , مولى بوجهه نحوها , ازاح القماش عن الوجه الصغير , وضع سبابته اليمنى على الجبين المُتغضن . كان باردا , وعيناه قد قفلتا فى نوم سرّمدي . رفع عيّنيه فيها , فقرأته . ارتعشت وانخرطت فى بكاء تخالطه شهقات هستيرية . استوى فى مقعده , خلف مقّود السيارة , ادارها , ارتفع هديرها مُغالب بكاء الام . استدار بالسيارة مولى بوجهها صوب الجنوب . تعالى بكاء الام تحوّل عويل . اندفعت يده الى مذياع السيارة , فتش على غير هدى , اتاه لحن بصوت سماوي (والبلد الطيب يُخرج نباته بادن ربه والذى خبث لا يُخرج الا نكد) انخفض عويل الام رويدا رويدا حتى تلاشى الى سُكون , اطبق على عالمه . فقفل احزانه .

الجنوب الليبيى فى عام :- 2007 م .

عن المشرف العام

مشرف عام الموقع: رامز رمضان النويصري// المحرر العام: كريمة الفاسي

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى